الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٢٥٥

الإباضية في موكب التاريخ

253

الإباضية في ليبيا (1)

أبو زكرياء بن أبي عبد الله الشَّدم تي

(1)

شخصية من تلك الشخصيات التي تحتاجها الشعوب في أوقات الوهن والضعف، ولاه المسلمون أمورهم بعد أبيه أبي عبد الله حفيد أبي منصور .. أبو منصور الذي عرفه التاريخ في أنزه موقف وقفه محارب، وبأشرف سيرة سارها أمير، أما حفيده عبد الله، فيكفي فيه ما قاله عنه أبو العباس: "أَمَّا أبو عبد الله، فلم الشعث، وكشف اللبس، ورتق الفتوق، ورقع الخروق"، هذه الأسرة الكريمة التي شرفها الإسلام، وشرف بها المسلمون، انحدر أبو زكرياء.

ومن

الأم

الأمير

ولاه المسلمون أمورهم بعد أبيه أبي عبد الله، فبقي في هذا المنصب الخطير، منصب أو الإمام، ستين سنة، لم يتغير فيها خلقه، ولَمْ يفسد طبعه، وَلَمْ يتغلب عليه الطمع، ولم

يدخله الغرور الذي يعبث بالنفوس من أصحاب السلطان.

a

دأب منذ أسند إليه حكم الجبل، أن يحاسب نفسه كُلّ ليلة، ولا يأوي إلى مضجعه حتى يزن ما قام به من أعمال، ثُمَّ يُميز جميع من يدخل تحت حكمه، ثُمَّ يُميز جَمِيع من يدخل تحت حكمه، فيعرف من يستحق الأدب، ومن يستحق المواساة، ومن له الحق، له الْحَقِّ، ومن عليه الْحَقِّ.

دأب على هذه السيرة طول مدة إمارته خوفا من التقصير، وخشية من العي عن الجواب يوم الحساب، إذ كُلّ راع مسؤول عن رعيته.

هكذا كان أبو زكريا يقضي وقته وهو أمير عَلَى جبل نفوسة، شغل متواصل طول اليوم، ينسى فيه نفسه وأهله وماله فإذا آوى إلى بيته في الليل، ليجد قليلا من الراحة، حسد نفسه عن أن تنال هذا القسط الضئيل من الراحة، ونأى بروحه عن أهله وأبنائه؛ لأن للمسلمين بقية حقوق تترتب بذمته لم يتأكد أنها وصلت إلى أصحابها كما يوجب الْحَقِّ والمروءة. وفي هذه العزلة الروحية وهو في بيته، بعيد عن ضجيج الناس يستعرض شريط اليوم، ليرى فيه هذه المملكة التي يتولى أمرها، فيمر بين عينيه ذلك الشريط بما يحمل من صور الناس في الحياة.

1) ذكره أبو زكريا في الطبقة السابعة؛ فهو من علماء النصف الأوَّل للقرن الرابع: تولى الحكم على الجبل وما يليه

باتفاق المشايخ.