الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٢٥٦

الإباضية في موكب التاريخ

254

الإباضية في ليبيا (1)

ويتذكر أبو زكريا من غفل في زحمة الحياة، وأنساه إيَّاهُم الدويّ الصاخب .. فيمر بين

به

إنسانا

عينيه في ذلك الشريط: القوي الذي اعتمد على قوته فأخذ من حقوق الناس ويمر بـ الضعيف الذي قعد به الضعف حَتَّى عن الوصول إلى الحاكم ويمر به الغني الذي تجري الثروة بين يديه ومن خلفه فيحيا حياة الرغد والرفاهية، ويمر الفقير الذي يتغلب على الحياة بالقناعة وينتصر على الجوع بالصبر ويستر العرى بالتواري عن مجامع الناس. وبعد أن يصفى حسابه مع الله ومع نفسه في يومه الماضي، ويضع خطوط العمل ليومه المقبل بعد ذلك يعود إلى إعطاء حقوق أهل بيت من أولاد وزوجة وغيرهم، ويصبح كسائر الناس يتكلم مع أهله وأبنائه، ويستعرض شؤونه الخاصة وموارد رزقه الطيب. وعندما يقوم في الصباح ليتولى العمل من جديد، يكون أول ما في مخططه اليومي استخراج الحقوق ممَّن لم تستخرج منه، وإنزال أحكام الله عَلى من يستحقها .. كان شديدا في الله، يتعقب الجناة والمجرمين، ولا يتهاون في ذلك أبدًا .. ذكر له: أن جانيا في قرية "جناون" آوى إلى أهله وبات عندهم؛ فهجم عليه صبيحة العيد، بعد أن صلى صلاة الصبح في مسجد أبي عبيدة، وطلب من العزابة تسليم المجرم، وإيصاله إلى السجن في "جادو" حتى يحكم فيه بحكم الله. وذكر له أن جانيا آخر بات في "ويفات" وهي قرية تبعد عن "جادو" مركز حكمه ما لا يقل عن عشرة أميال، فهجم عليه هو وأصحابه، وأنفذ عليه الحكم وقد حاول الجاني أن يعتدى على الأمير الشديد في أمر الله، وهم أن يطعنه بخنجر، فتلقى عنه الضربة أحد الحاضرين الواقفين بجنبه، فقال أبو زكرياء: يقال في المثل "أحبك ولا كنفسي، وهذا الرجل أحبني فوق نفسه. تخاصم إليه رجل وامرأة عَلَى، مال، وكان أبو يوسف الأجفري حاضرا، وهما من بلده، فقال له: "ما تقول يا أبا يوسف؟ " قال أبو يوسف: "إن جزت على المرأة أسلم، وأسال لها العون، وإن أطعمتني أكلت .. وإن مررت على الرجل لا أسلم ولا أسال له العون، ولا أكل إن أطعمني .. " قال أبو زكرياء للرجل: اسمع ما يقول أبو يوسف يا أبا فلان .. " قال الرجل: مالي ياشيخ؟ قال أبو زكرياء: اسمع يا فلان ما يقول أبو يوسف، قال الرجل: ما لي يا شيخ؟ قال أبو زكرياء يا مرعون إن ذهبت إليه لأجعلنها في جنبك؛ يعنى: السياط. إن الرجل الذي يتمادى على الباطل، ويستمسك بحق الناس، حقيق أن توضع في جنبيه السياط.