الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٢٥٧الإباضية في موكب التاريخ
255
الإباضية في ليبيا (1)
كان أبو زكريا عالما من
يحيى
أفذاذ العلماء؛ وَلَكِنَّهُ مع سعة علمه أراد أن يطمئن في أحكامه إلى
فتاوي من مشايخ يوثق بعلمهم وفهمهم، فاستنصح أبا مُحمَّد الدرفي، فنصحه أبو محمد أن يستفتي في نوازله، والمشاكل التي تعرض عليه الشيخين العالمين أبا محمد الكباوي، وأبا يحيى الفرسطائي، فيحكم بما اتفقا عليه، ويتوقف فيما يختلفان فيه، فكان يستفتيهما، غير أن أبا كان يجيب إجابة العالم الواسع الاطلاع فيناقش الموضوع مناقشة طويلة، ويبحثه من جميع نواحيه، ويستعرض الأقوال الواردة فيه دون ترجيح، أما أبو محمد الكباوي، فكان يقصد إلى أرجح الأقول، ويُحدد الموضوع في إيجاز، وتلخيص، وهذا ييسر العمل على الأمير الكثير الأشغال فاعتمد على فتوى أبي مُحمَّد وَلَمَّا توفّي أبو محمد، حضر جنازته وشيعه إلى مقره الأخير، وعندما أراد مغادرة المقبرة، قال سلام عليك يا كاباوى، وَلَمَّا مر بقرب
منزله قال: لقد أصبحت أيُّهَا المنزل كغيرك من المنازل. ثُمَّ استفتى بعده أبا محمد خصيبًا. حاول عدة مرات أن يتخلص من أعباء الحكم، وأن يلقى عن كاهله هذا الحمل الثقيل،
وَلَكِنَّهُ لَم يتمكن من ذلك؛ لأن أهل الشورى من المشايخ لم يوافقوا على ذلك أبدًا. وبعد؛ فما هو المبلغ الضخم الذي جمعه هذا الأمير حكم الجبل ستين سنة؟ وما هي القصور التي شادها؟ والجنان الفسيحة التي امتلكها؟ إنَّه لا شك جمع ثروة طائلة، تركها لأبنائه، وسوف ينعمون بها طيلة أجيال متعاقبة. أما هو وأسرته فلا بد أن يكونوا قد نعموا بالمال، وعاشوا في رغد ورفاهية.
ولعل في القصص الآتية شواهد تدلنا عَلَى مبلغ ما كتر هذا الرجل من مال، وجمع من ثروة. ولد له ولد فبعثت إليه زوجته تطلب كمية من الزيت للاستصباح ودهن الطفل، فكم يا ترى يستطيع أن يبعث إليها في هذه المناسبة السعيدة؟ إن أي موظف بسيط أو شيخ قبيلة، يمكن أن يبعث لزوجه في مثل هذه الحالة ما يكفيها أسبوعًا، أو شهرا، وإذا لم يكن هذا المقدار عنده، استطاع أن يحصل عليه بأي وسيلة من الوسائل، أمَّا هذا الأمير الذي يتصرف في مال الجبل كله، ويتحكم في تصريف ما في "نفوسة" من زيت لم يستطع أن يبعث إلى زوجه الحبيبة، وهي نفساء، وإلى طفله الوليد وهو يستقبل الحياة .. لم يستطع أن يبعث إليهم شيئاً؛ لأنه لم يجد في ملكه الخاص ما يبعث به، أما أموال المسلمين وزيوت الأوقاف التي تصرف تحت رعايته، فلم