الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٢٥٨

الإباضية في موكب التاريخ

256

الإباضية في ليبيا (1)

يستطع أن يمسها؛ لأنها أمانة في عنقه، وهو أخشى الله من أن يخون الأمانة، وأبلغها أنه ليس لديه زيت، وما دام لا يجد في ملكه الخاص زيتّا، فعليها أن تستصبح بالحطب، أما الوليد فيكفيه التنظيف بالماء. وعلى زوجة الأمير أن تقنع بهذه الحياة إن كانت مؤمنة ترجو خير الآخرة، وإلا إن هذا الرجل ليس برجل الدنيا الذي تغره الحياة بالنعيم الزائل .. وفي القصة الآتية مثل آخر يبين لنا كيف يستطيع أن يجمع مثل هذا الأمير ثروته الطائلة، التي لا تنضب مرَّ عَلَى بعض الأحياء فاستضافوه، ولكنَّه اعتذر، فجاء صاحب الحي بعدد من الكباش، وقدمها للأمير وهو يقول له: هذا غذاؤك وغذاء أصحابك حيث لم توافق على البقاء! .. فهل فرح لهذه الكباش، وأمر يسوقها ليضعها إلى ما جمع من ثروة؟ لم يفعل شيئا من ذلك، ولكنه أجاب صاحب الكباش بهذه الكلمة التي يجب أن توضع بين كُلّ صاحب سلطة من أولئك الذين يجمعون الرشاوي، ويبتزون أرزاق الشعوب، ولا يعفون عن أموال الدولة، قال: "لو كلفت بحمل قرونها ما قدرت فكيف بحملها جَمِيعًا يوم القيامة" (1)، وترك الكباش لصاحب الكباش، وعاش الطفل على نور الحطب، وضرب أبو زكرياء لعبيد الدنيا المثل الرائع الذي يجب أن يتعظ به أولئك الذين تسند إليهم أمور الناس، ويؤتمنون على ثروات الشعوب، لقد فنيت جميع الثروات التي جمعها الجبابرة، ولكن هذه الثروة الخلقية التي تركها هذا المؤمن الصابر لم تفن، ولن تفنى، وما عند خير وأبقى. حضر إليه بعض المشايخ في أواخر أيامه، وسأله عن رأيه فيمن يولونه أمورهم، ويسندون إليه حكمهم من بعده؛ فاختار لهم: إما أبا زكرياء اللالوتي، أو أبا يعقوب البغطوري، أو أبا داود سليمان الدرفي.

عيني

الله

لما اشتد عليه المرض رأى جماعة أن يرجعوا به إلى بلده تندميرة فحملوه، فَلَمَّا أفاق من غشيته وجد نفسه محمولا، فسألهم عن ذلك؟ فأخبروه أَنَّهُم يريدون به بلدة "تندميرة" فأمرهم بإنزاله في موضعه، وكان قرب "تمزده" وهنالك فاضت روحه الطاهرة، رحمه الله، ولا يزال قبره مشهورًا معروفا هناك.

1) السير، 318.