الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٢٥٩الإباضية في موكب التاريخ
257
الإباضية في ليبيا (1)
واجتمع المشايخ بعد وفاته فولوا مكانه أبا موسى عيسى فاتبع خطاه وسلك مسلكه، وسار بسيرته .. قوة في دين الله، وغلظة على العصاة والمجرمين وإيصال للحقوق إلى أهلها، وعدل بين الناس يستوى فيه الكبير والصغير، والجليل والحقير.
أدب رجلا عَلَى عمل ارتكبه، فتألم ولَمْ يصبر .. فقال له أبو موسى: "أبلغتك حرارتها يا عدو الله؟ "
فقال المضروب: "أو لم تذقها؟ " فقال الحاكم القاضي العادل: "ذقتها وكانت لي رشدًا وصلاحا". ترتب الْحَقِّ يوما عَلَى داود بن علي، وكان من العظماء أصحاب الثروة، مهيبا بين الناس، صاحب قدر ومقام. فَلَمَّا أراد الحاكم أبو موسى إقامة الْحَقِّ عليه أعرض ونأى بجانبه، وازور عن الْحَقِّ، وثنى عطفه تكبراً أن يؤخذ منه الْحَقِّ، ويقام عليه الْحَد، وقام من مجلس الحكم .. أمر أبو موسى برده، فلم يجد بين الحاضرين من يقوى على رده .. وفكر داود بن علي في الموضوع، ثُمَّ رجع إلى مجلس الحكم، وطلب من أبي موسى إقامة
الْحَقِّ، وقال له: رجعت إلى مجلسك لتقيم عَلَيَّ الْحَدّ لثلاثة أسباب:
الأول: لا أريد أن أترك التكبر عن أخذ الْحَقِّ سنة يتبعها كُلّ متكبر.
الثاني: تواضع مثلي لمثلكم لا يزيده إلا رفعة وعزا.
الثالث: أن فى أبناء الأمة غيري، ومن هو أعظم مني.
وطلب أبو موسى من جديد إلى الحاضرين أن يقوم أحدهم بتنفيذ الحكم فلم يجد أحدا، فقام وهو يقول: "يعلم رَبِّي أَنه لو لم يكن رضاك إلا في نزع نفسى لترعتها (1) ونفذ الحكم. ولست أدري أَيُّهَا القارئ الكريم - وأنا أقص عليك هذه القصة هل تعجب مثلي بهذا الخلق المتين، من الحاكم والمحكوم، بل إنِّي لحائر بين الرجلين، لا أعرف أيهما أعظم، أهذا على تنفيذ حكم الله مهما كانت النتائج، أم هذا الذي يحكم عليه، ثُمَّ تعجز سلطة الحكم عن تنفيذ قرارها، وبعد أن يتيقن أنه لا أحد يقوى على تنفيذ الحكم عليه، يجيء إلى الحاكم مستسلما خوفا من أن يترك سنة سيئة يقتدي بها الناس، فيما إذا ركبتهم الحقوق، وتعلقت بهم الواجبات .. إنَّه خلق لم يوجد إلا في الرعيل الأوَّل من أصحاب رسول الله.
الذي يصر
1) راجع السير للشماخي، 2/ 135.