الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٢٦٠

الإباضية في موكب التاريخ

258

الإباضية في ليبيا (1)

أبو هارون موسى بن هارون

وخرجت

نشأ أبو موسى هارون بن هارون في "تملوشايت" وأخذ مبادئ العلم عن مدارسها العامرة، ثُمَّ التحق بأبي مُحمَّد التمصمصي، وفي هذه المدرسة التي أعدت أعلاما، فحولا، تخرج أبو هارون، علمًا من أعلام الإسلام، وبطلا من أبطال المؤمنين، وجدا لأسرة متسلسلة في العلم والإيمان والكفاح من أجل المثل العليا التي حارب من أجلها محمد، وناضل عنها المؤمنون في كُلِّ زمان ومكان.

كان رحمه

الله

عامر القلب بالإيمان برا تقيا، عفيف اليد واللسان، وكان مع ذلك ذا قوة وصمود في النضال عن الْحَقِّ، وحمايته من أطماع الطامعين.

كان أبو محمد خصيب هو مفتى الأمير أبي زكريا التندميرتي بعد أبي محمد الكباوي وكان أبو هارون يحرص على حضور مجالس أبي مُحمَّد خصيب لما يستفيده منه من علم جديد. ونزل أبو زكرياء يوما إلى "جناون" ونزل إليها أبو هارون، ولكن أبا محمد خصيبًا لم يتمكن من الترول؛ لأن ضعف الشيخوخة حال دونه، واحتاج أبو زكرياء إلى فتوى، فطلب من أبي هارون أن يتقدم لها، ومن ذلك اليوم أصبح أبو هارون يفتى لأبي زكرياء، حتَّى لحق أبو زكرياء بالله، وتشاور المشايخ فيمن يلي أمورهم فأسندوها إلى أبي موسى عيسى، ثُمَّ أسندوها من بعده إلى هذا العالم الذي أحسن القيام بها، ورعاية شؤونها .. في قرية "إبناين" التي لم يبق منها اليوم إلا أطلال دوارس، كانت إحدى العجائر التي يسميها المشايخ الجدة، وكانت تقية صالحة عالمة مؤمنة، تفيض عَلَى جلسائها بالخير والصلاح، واعتاد أبو هارون أن يزور هذه العجوز، فيقتبس من خلقها وعلمها ودينها، ووَلَمَّا أسند إليه الحكم، وألقى على كاهله هذا العبء الثقيل، نقل مركز حكمه إلى هذه القرية الجميلة التي تحضنها الجبال الشمّ، وتنبسط عند أقدامها الوديان الخضر، ليكون قريبا من هذا العقل البشري المستنير، وهذا القلب المؤمن الصافي .. نصحه بعض المتملقين أن يشتري

(1) ذكره أبو زكريا في الطبقة السابعة، فهو من علماء النصف الأول من القرن الرابع تولى الإفتاء، ثم اختاره مشايخ الجبل حاكما على جبل نفوسة ومايلية.