الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٢٦٢الإباضية في موكب التاريخ
260
الإباضية في ليبيا (1)
أبو الربع سليمان بن أبي هارون
غلب عليه لقب "الشيخ"، حتّى أصبح علمًا عليه أخذ العلم عن أبي يحيى زكرياء بن سفيان اللالوتي، وأبي سهل البشر بن محمد التندميرتي، وأبي يوسف وجدليش بن في اليُجْلاني وأخذ عنه بَشَر كثير.
سافر إلى الحَجّ مع مجموعة من العلماء الأعلام، فترافقوا اثنين اثنين، فكان رفيقه أبا يعقوب البرني، وطال الطريق بهم، كان الرفاق يفترقون ويجتمعون ما عدا أبا الربيع وأبا يعقوب، فقد
أمضيا الطريق كله في صحبة ممتعة بين مذاكرة في فنون العلم وتعاون على ذكر الله. وكان الركب إذا سئلوا عن عالمهم قالوا: أبو الربيع وأبو عبد الله الدرفي. وإذا سئلوا عـ عابدهم قالوا: أبو موسى الدجي، وإذا سئلوا عن سخيهم قالوا: زكرياء بن عمار الشروسي، وإذا سئلوا عن أفضلهم قالوا: أبو يعقوب البرني. وعلق ما شئت أَيُّهَا القارئ الكريم عن ركب يجتمع فيه هؤلاء الأعلام.
جمع أبو الربيع إلى العلم الواسع، والدين القويم والخلق الكريم .. شدة في الْحَقِّ لا تلين، و محافظة عَلَى دين الله لا تفتر وسيرة صالحة لا تضعف .. اشتهر طلوع هلال شوال فأفطر الجبل وبلغه أن بعض المتنطعين الجامدين أمسكوا عن الإفطار وَلَمْ يوافقوا الأمَّة في علمها بالشهرة فتتبع هؤلاء المتنطعين حتى بلغوا "جادو" وهو يلزمهم الإفطار، ويكسر عليهم هذا الصوم الذي يخالفون فيه الدين والأمة ويغير هذا الحدث الذي كان خليفا أن يحدث شعبا وخلافا بين الناس.
وكان قويا في العبادة شديدًا عَلَى نفسه يعتقد أن في طوق جميع الناس أن يعملوا مثل ما يعمل. صام مرة في "جادو" وكان حاكم الجبل حينئذ أبا عمرو، وكان أبو الربيع إما أن يكون في مجلس العبادة أو في مجلس العلم لا يعرف النوم والراحة، فقال للأمير: "حجر على الناس أن يناموا بالليل مدة صيامهم، ومن كسر الحجر فالسجن أولى به، ولكن الأمير لم يعمل بهذا
1) ذكره أبو زكرياء في الطبقة الثامنة؛ فهو من علماء النصف الثاني للقرن الرابع: تولى حكم الجبل باتفاق أهل الرأي والعلم من مشايخ جبل نفوسة.