الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٢٦٤

الإباضية في موكب التاريخ

262

الإباضية في ليبيا (1)

إذا صلى العشاء الآخرة وتنفل بما شاء الله، افتتح مجلس الدرس للطلاب إلى هون من الليل، ثُمَّ يذهب إلى داره، ويصطحب معه مُحمَّداً ابن زكرياء البغطوري ومُحمَّد بن يفون فيقرأ عليه أحدهما حتّى يفتر، ثُمَّ يقرأ الآخر إلى آخر الليل، فيقوم إلى الاشتغال بالصلاة، فإذا صلى الفجر اشتغل بالدراسة حتّى تطلع الشمس، فيفتتح مجلس التدريس، فإذا أتم التدريس جلس للقضاء والأحكام إلى الزوال، فيقوم ليشتغل بالصلاة، حتّى قال بعض خواصه المتصلون به: "لا ندري متى ينام"؟

أبو يحيى زكرياء بن إبراهيم الباروني)

علم من أولئك الأعلام الذين يهتدي بهم الضال، ويثبت الحيران، ويلجأ إليهم الضعيف، جمع إلى غزارة العلم وقوة الإرادة والشدة في دين الله، كرما مطبوعا، وحبا للخير متأصلا، ورغبة ملحة في نشر العلم، وهداية الناس إلى دين الله السوي، فقد اجتمع في تلك النفس المؤمنة الصادقة كُلّ الصفات والمزايا التي يودعها الخالق في بعض خواص خلقه لأداء رسالة في التاريخ لا يؤديها كُلِّ أحد، وقد تحمل أعباء تلك الرسالة، واستجاب له حتى أولئك الذين شذوا عَمَّن قبله في أغلب المملكة الليبية، ودانت له الدنيا، وأعطى بسطة في العلم والمال (2).

نعم لقد أعطى بسطة في المال حَتَّى استطاع أن يفيض به عَلَى جَميع الجبل، وَلَمْ يبق بيت من "ككلة" إلى "وازن" لم يدخله مال أبي يحيى زكرياء.

(1) ذكره أبو زكريا في الطبقة الثانية عشرة؛ فهو من علماء النصف الثاني من القرن السادس: تولى الحكم على جبل نفوسة وما يليه باتفاق أهل الرأى والعلم من المشايخ، ويقول الشيخ يوسف بن الحاج أيوب الباروني: إنه بويع بالإمامة الكبرى وقام بها، فهو لم يكن حاكما وإنما كان أميرا للمؤمنين.

(2) انظر: سير الشماخي وكتاب سليمان باشا الباروني في أطوار حياته للشيخ أبي اليقظان. بتصرف.