الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٢٦٥

الإباضية في موكب التاريخ

263

الإباضية في ليبيا (1)

فهل تحصل على هذا المال بالطرق التي يعرفها الحكام في التاريخ القديم والحديث بوسائل غير شريفة، وطرق ملتوية واستغلال نفوذ ورشاوي وهدايا .. إلى آخر ما هنالك من وسائل الابتزاز التي يعرفها ذوو السلطة المنحرفون عن سبيل الله. إن أبا يحيى لم يأخذ مليما واحدا عن طريق غير شريف، وَلَمْ يرزأ الأمة في قليل ولا كثير، ولَمْ يَحد قيد أنملة عن طريق أولئك السلف الذين لم ينحرفوا عن الطريق اللاحب الذي تركه مُحمَّد بن عبد الله بن عبد الله، ثُمَّ سار فيه أبو بكر، فعمر، فالصفوة المختارة من عباد

الله

يرد

المؤمنين. كان أبو يحيى ينفق على الأقسام الداخلية في مدرسته العامرة التي تشتمل على عدد من الطلاب، يتراوح بين الخمسين والمائة طالب وكان لا يزوره زائر ولا يسمع بأحد ابتلي بضيق الرزق، وأصيب بالحاجة، إلا نفحه من كرمه، وواسى جرحه بماله، وكان الناس إلى مشاهدتهم لهذه الأفعال الكريمة والنفقات الباهظة المتتابعة يعرفون سيرته واستقامته وعفته فلذلك كانوا يختلفون في طريقة حصول الشيخ على هذه الأموال الوافرة، يقول بعضهم. إِنَّه عثر عَلَى كتر جاهلي"، ويقول بعض: إن معه الاسم الأعظم، فهو يستطيع أن الحجر ذهبا، ويرى آخرون أنه عالم في الكيمياء، على حسب ما يظن في الزمن القديم أن الكيمياء تستطيع أن تستخرج من النحاس أو غيره من المعادن ذهبا وهاجا. أما أكثر القوم واقعية فقد سأل الشيخ عن مصدر ثروته؛ فأجابه بالْحَقِّ الصراح، لقد قال له: "إنَّه اكتسب هذا المال من التجارة، ولا سيما في أيام الشدة، فهو رجل يعرف كيف يعمل، ويعرف موارد الكسب الحلال، إنَّه لم يعثر على كتر، وليس معه اسم الأعظم، ولا علم بالكيمياء، ولا شعوذة يستغل بها الأفكار الساذجة". كان يقوم بمهمة التدريس إلى جانب قيامه بمهام الحكم والفتوى، وكان بمدرسته ما يزيد على ثمانين طالبا، وفي إحدى سنوات الجفاف التي كثيراً ما تصيب ليبيا، بلغت فيها الشدة مبلغا أثرت على طلابه الذين ينفق عليهم في مدرسته العامرة، وتذاكر الطلاب النجباء هذه الحال، وظنوا أَنَّهُم أثقلوا عَلَى شيخهم في هذه السنوات العجاف، فقرروا أن يتفرقوا، وأن