الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٢٦٦

الإباضية في موكب التاريخ

264

الإباضية في ليبيا (1)

يلحق كُلّ واحد منهم بأهله، وبلده حتّى تنقضي هذه المحنة، وتبدل هذه الحال، ويغدق الله. نعمته على العباد ..

وسمع الشيخ بما اتفق عليه طلابه فأمر أن يقدم إليهم الطعام من غير زيت، وحين حضر الطعام، أمر أحد الطلاب أن يأخذ إناء ويحضر الزيت من المخزن، وذهب الطالب النشيط وفي يده وعاء الزيت وكان في المخزن مجموعة من الأزيار؛ فكشف عن الأول ليأخذ الزيت، ولكنه وجد الزير مملوءاً مالا، وكذلك انتقل إلى الثاني، حَتَّى كشف عن مجموعة منها، ثُمَّ خرج إلى زملائه، فقال له الشيخ: أخبر رفاقك عما رأيت، فلما أخبرهم، قال لَهُم الشيخ: لقد سمعت بما قررتم من الافتراق وهذا المال الذي أخبركم عنه زميلكم إِنَّمَا جمع لينفق به على طلاب العلم من هذه المدرسة، ولو ذهبتم أنتم؛ لأنفق به على غيركم، كما أن بقاءكم هنا لا يثقل عليَّ، ولا يؤثر على حياتي. واطمأن الطلاب إلى ما رأوا وما سمعوا،

واستمروا في كفاحهم العلمي.

وكما كان عالما ومؤمنا وكريما وقويا في الْحَقِّ، كان حريصًا على المحافظة على أمته ووطنه، يذود عنها في شجاعة واستبسال .. حاول أبو يحيى بن إسحاق الميورقي عدة مرات أن يحتل الجبل، بعد ما احتل أغلب شمال إفريقيا، وخرب ما وصلته يده من عمران، وَلَكِنَّهُ رجع في جميع تلك المحاولات بالفشل الذريع، وَكُلُّ ما استطاع أن يفعل في بعض تلك الهجمات هو التخريب، وذلك العمل الذي لا يقوم به إلا المتوحشون من الناس .. كون مرة جيشا كبيرًا، وقصد مدينة الجبل "جادو" وكان يريد أن يحتلها من مدخلها الطبيعي من جهة الشمال، هذا المدخل الذي تستلقي عليه في فتنة وجمال مدينة "جناون" الرائعة، فلاقاه الأبطال المغاوير الذين أعدهم أبو يحيى لمثل هذه المهمة، فرجعت جيوش الميورقي منهزمة، وَلَكِنَّهُ رغم هزيمته استطاع أن يوقد النار في تلك الحدائق الغناء التي تسقيها عين "تموقت" الغزيرة، التي تندفع إليها شلال "القصب (1) الفاتن الجميل.

1) يطلق عليه اسم "إيغانيمن" وهي كلمة بربرية معناها "القصب".