الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٢٦٧

الإباضية في موكب التاريخ

265

الإباضية في ليبيا (1)

واحترق في هذه الحدائق ما يزيد عن اثنى عشر ألف شجرة زيتون خاصة، وعدد غير قليل من الأشجار الأخرى، وأصبح مكان تلك الحدائق يُسَمَّى بالمحاريق إلى يومنا هذا. ووجه "الميورقي" حملة أخرى إلى عاصمة جبل نفوسة منذ عصور قديمة، إلى المدينة العظيمة - مدينة "شروس" التي لا تزال آثارها تشهد بعظمة الإسلام في تلك العصور، وتوجه إليها مع مدخلها الشمالي، كما توجه إلى "جادو" وكان يعتقد وهو يندفع بجيوشه وسط هذا المدخل بين الجبال، أن المدينة العظيمة أصبحت بين يديه، ولا سيما وهي تنبسط على السفح، فتصلها الخيل دون عناء، ولكن الأبطال المغاوير الذين كانوا يترصدون حركات العدو من المدينة الجائمة على القمة العالية الشرقية للوادى التي تُسَمَّى "الجزيرة" انقضوا في خفة الليوث عَلَى هذه الجيوش التي بدأت تتعثر بين مسالك الجبل، وامتلأت قلوب هؤلاء المهاجمين بالرعب، فولوا الأدبار، لا يلوون على شيء. وكم كانت ظريفة تلك الحيلة التي لجأ إليها سكان هذه القرية الضارية في الهواء تطاول النجم وتغازل القمر. لقد خطر للميورقي أن يعاود الكرة، وأن يهجم هذه المرة عَلَى هذه القرية التي تُسَمَّى "الجزيرة"، والتي روعت جنده في يوم من الأيام، فيضربها الضربة القاضية يستطيع من بعدها أن يستمر في حروبه دون خوف. فجهز جيشًا وجاء به إلى سطح هذا الجبل الذي تقع في قمته الجزيرة الصغيرة الضاحكة، وأطال الحصار، واجتمع شباب القرية يتداولون الأمر، وفكروا في حيلة لعلها تعتبر أبرع حيلة قام بها المحاربون في التاريخ، وفي ليلة شديدة الظلام جمع من شباب القرية، وأخذوا مجموعة من الجمال وحملوها حطبًا، وَلَمَّا اقتربوا من جيش العدو الهاجع آمنا مطمئنا إلا عددا من الحرس منبثين هنا وهناك، يداعب النوم أجفانهم، ويلوي أعناقهم، وجه أولئك الفتية أعناق الإبل إلى معمعة الجيش، وفي خفة ولباقة أشعلوا النار في الحطب الذي عَلَى ظهورها، ثُمَّ انفلتوا هاربين وأحست الجمال بالنار تلسع ظهورها، فاندفعت بما تملك من قوة محدثة جلبة ورغاء في ذلك الظلام الحالك، واستيقظ الجيش على هذا الدوي العظيم والاندفاع العنيف، والنار المشتعلة، فظن القوم أنهم أحيط

انفلت

بهم، واندفع كُلّ واحد منهم إلى سلاحه يقتل من لاقاه أو أحس به، ويركن إلى الفرار.