الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٢٦٨

الإباضية في موكب التاريخ

266

الإباضية في ليبيا (1)

وأصبح الصباح، فإذا بعدد غير قليل من جثث القتلى، وإذا بأموال وسلاح وعتاد خلفه الجيش المنهزم الذي قضى على نفسه بنفسه. وجاء أبو يحيى زكرياء وفتيانه فدفنوا الموتى من الأعداء. أما ما ترك العدو من أموال لا تحل لهم، ولذلك فقد رأى أكثر المشايخ في ذلك الحين أنه يجب أن تحرق، وأن لا يتركوا شيئًا من المال الحرام يدخل إلى جبلهم هذا الجبل الذي لا يزال يحتفظ بطهارة

فهي

الإسلام.

لست أدري هل استوحى شباب هذه القرية حيلتهم البارعة من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم غزوة الخندق، أم أَنَّهَا خطرت لَهُم دون أن يرجعوا إلى تاريخ الإسلام الحافل بالعظمة والبراعة والفكرة.

صمد أبو يحيى زكرياء الباروني لهجمات الميورقي ولغيرها من الهجمات، ورد بعضها بالعنف ورد بعضها بالحيلة، ورد بعضها بالصلح، إنَّه حافظ على هذا الوطن العزيز الأبي، فلم تدنسه أقدام البغاة الذين لا يتقيدون بدين ولا خلق ولا ضمير. وذهب الميورقي إلى ربه بما قدمت يداه، وحفظ التاريخ هذه الأبحاد أباد الإيمان والشهامة والعفة لهؤلاء الناس الذين وضعت في أيديهم أمانة الله فرعوها حق رعايتها، وأمانة الأمة فحفظوها من أنفسهم، وحفظوها من عدوان المُفسدين. عدالة الإسلام في سير الحكام

حدثتك أيها القارئ الكريم في الفصول السابقة عما يقرب من ثلاثين بطلا أبطال من الإسلام، من الذين تولوا الحكم في ليبيا، أو في بعض أجزاء ليبيا. ولم أقصد بالحديث عن هؤلاء الأبطال، أن أقص عليك تراجم حياتهم، أو أن أعرفهم لك تعريف المؤرخ الذي يعنى بكل شأن، ولا أن أربط بين تسلسل الأحداث التاريخية لست أقصد شيئًا من ذلك؛ لأن هذا الكتاب لم يوضع للتاريخ، وَإِنَّمَا قصدت أن أعرض عليك صورا من تاريخ الإسلام، في سير أبطاله، تجد فيها العلم والبطولة، وتجد فيها الإيمان والشهامة، وتجد فيها الاستقامة والعفة وتجد فيها التضحية والإيثار، وتجد فيها صورًا من حياة المسلمين كما كانوا في الصدر الأول، وتجد فيها الوقوف عند حدود الله.