الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٢٦٩الإباضية في موكب التاريخ
267
الإباضية في ليبيا (1)
تلك الصور الرائعة التي تمثل العدل المطلق والمساواة المطلقة بين أبناء الأمة، لا يرتفع فيها شخص إلا بإيمانه، ولا ينحدر فيها إلا بعصيانة.
ولقد كنت أنقل هذه الصور على بساطتها وأنا آمل أن يقرأها اثنان الأمة: من الأَوَّل: رجل وجد منصبا في الدولة وكرسيا للحكم، وأعطى له حق التصرف في شأن من شؤون الشعب، وأملي في هذا الرجل الذي وضعت في عنقه أمانة أمانات هذه الأمة من سواء كانت صغيرة أو كبيرة وأمَلي في هذا الرجل أن يجد في هؤلاء الناس قدوة حسنة، مثلا يحتذيه، ويجعل من سيرتهم منهاجا عليه. يسير
فيتخذ منهم أما
الثاني: فرجل يقف في مصاف الشعب، العادي، ليس له من الحياة والسلطان أو المال
ما يرفعه في أعين من يزنون الرجال بالمادة، وأملي في هذا الرجل أن يتخذ هو الآخر عبرة، وأن يعرف أن كرامة الإسلام تمنعه أن يرضى الظلم، وأن يسكت عن الانحراف عن جادة الله، وأن الحق يخوله أن يحاسب أولئك الذين يعبثون بمقدراته، وأن الإسلام يجعله في صف واحد مع أكبر ذي سلطة في الدولة، وأعظم ذى ثروة في الأمة، لا يفضلانه بشيء أبدا إلا أن يكون تقوى الله وعملا بدين الله
وتاريخ صدر الإسلام في زمن النبوة والخلافة الرشيدة ليس فقيرًا من أمثال هذه الصور التي أنقلها لك من تاريخ جانب من جوانب الأمة في جزء صغير من الوطن الإسلامي الفسيح؛ ولكن دعاني إلى أخذ هذه الشواهد من غير ذلك العصر الحافل بالمجد والعظمة ب بسيط، وذلك أنني كثيرًا ما أتحدث مع الناس عن سيرة رسول الله، فيجيبني البارعون في النقاش منهم: "ذلك شخص عصمته الرسالة، وأولئك قوم شاهدوا رسول الله واستمعوا إلى الوحي وهو يتزل من السماء، فالمسافة بين طبيعة الحياة عندهم وطبيعة
6
الحياة عندنا شديدة البعد". ولقد يخيل لبعض الناس أن في هذا المنطق ظلا من الحجة، ولكي يذوب هذا المنطق ويضمحل ذلك الظل أوردت هذه الشواهد التي تنتشر خلال عشرة قرون من تاريخ الإسلام، وبين كثير من ظلم الحياة ومعاكسات الزمن.