الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٢٧٠الإباضية في موكب التاريخ
268
الإباضية في ليبيا (1)
وكما استطاع بعض هؤلاء الأبطال أن يسيروا بسيرة الإسلام النقية في أي عصر من عصور التاريخ، يستطيع اليوم أي رجل يتولى شأنا من شؤون الأمة أن يؤدي أمانتة بإخلاص، فلا يعبث بمالها ولا بوقتها ولا يستغل جاهه ولا مركزه إلى آخر ما هنالك مما يجب أن
يكون عليه الحاكم القويم الذي يؤمن بشريعة الإسلام، ويتحلى بما دعا إليه من خلق كريم. وكما يجب أن يكون صاحب الأمر قويا، يجب أن يكون رجل الأمة -أي الفرد العادي مؤمنا بدينة، مؤمنا بحقه الذي خوله له فاطر السموات والأرض، فلا يرضى المهانة ولا يسكت على ذلة ولا يوافق عَلَى ما يخالف أمر الله، فإن بدا لصاحب الأمر أن ينحرف وجب أن يقف له رجل الأمة بالمرصاد يقوم أعوجاجه بالنصيحة والإرشاد، فإن لم يجد النصح قومه بالسيف كما قيل لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب. إن هؤلاء الأبطال الذين حدثتك عنهم، حكموا ليبيا أو جزءًا من ليبيا، وكان فيهم من بالخلافة، فدان له ما بين القيروان وسرت"، وكان منهم من كان عاملا لخليفة، وكان منهم من تولى الحكم باختيار أصحاب الرأي والشورى ولكنه لم يبايع بالخلافة ولم يكن تابعا لدولة من الدول الأخرى، فهو أمير مستقل يحكم أغلب البلاد الليبية أو بعض أجزائها، فهم يتفاوتون تفاوتا عظيما في مدى السلطة المخولة لكل واحد منهم، ولكنهم جميعا يتفقون في شيء واحد يتفقون في هذه السيرة العطرة التي يعطي فيها صاحبها أكثر مما
بويع
يأخذ.
لقد عرف هؤلاء الذين تولوا الحكم في ليبيا من رجال الإباضيَّة، أَنَّه لم يسند إليهم الحكم ليستغلوه لأنفسهم، ولا ليتخذوا منه سلطانا، ولا ليجمعوا به ثروة، ولا ليتعالوا به
على الناس الذين أولوهم ثقتهم، ووضعوا بين أيديهم هذه الأمانة الغالية. و حافظ أولئك الحكام على هذه الثقة، فبذلوا من جهدهم ومن تفكيرهم ومن حبهم للمسلمين ومن وقتهم الثمين ومن مالهم الخاص الذي اكتسبوه من الأعمال الحرة قبل أن يشتغلوا بأمور المسلمين أو ورثوه عن الجدود بذلوا من ذلك كله ما يطلبه الإسلام من المؤمنين الصادقين، ولم يأخذوا من هذه المراكز الهامة يوم انفصلوا عنها بالاستقالة أو الموت
غير الذكرى العطرة عند الناس وعند الله
الجزاء الأوفى.