الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٢٧الإباضية في موكب التاريخ
25
نشأة المذهب الإباضي قُلْتُ: إذا أباح بعض المؤرخين لأنفسهم أن يطلقوا كلمة الخوارج على هذه الطائفة، فإنه
يحق لنا نحن أن نتريث ونتثبت حتّى يستبين لنا طريق الصواب، ويتضح منهج الحق. ولكي ننصف هؤلاء القوم الذين أطلق عليهم بعض المؤرخين لقب الخوارج، وحاربهم إخوانهم المسلمون بالدعاية الكاذبة والصادقة، وقاتلوهم كما لم يقاتلوا حتى أعداءهم في ذلك الحين، وطاردوهم كما لم يطاردوا حتى الزندقة والإلحاد.
لكي لا نظلم هؤلاء القوم، ولكي نوضح موقفهم كما يرونه في ذلك الحين. دون أن يتسرب إليه خطأ التاريخ المغرض، أو تحامله عليهم، ودون أن نهتم بالدعاية الكاذبة التي تقلب حقائق التاريخ قلبا لا يرضاه التفكير السليم والمنطق القويم تلك الدعاية التي تعاون على بثها وإشاعتها كُلّ من الأموية المتعصبة المتسلطة، والشيعة الغالية المتطرفة، لكي نوضح موقف هؤلاء القوم يجب أن نستعرض حركة الثورات (1) منذ فجر الإسلام، ونضع صورته الواضحة بين أيدينا، لتصح المقارنة، ويكون الاستنتاج أقرب إلى الحق، وأدنى إلى الدقة. عاش رسول الله الله في كفاح مستمر ضد الوثنية التي تسيطر على العالم، وجهاد متواصل ضد القوى المتكتلة التي تعارض انطلاقة الدعوة لتحرير الإنسان من عبادة غير الله. فَلَمَّا جاء الله والفتح، ودخل الناس في دين الله أفواجًا، وأتم الله نعمته على أمة مُحَمَّد، لهم الإسلام دينا، توفي رسول، بعدما أدى الرسالة، وبلغ الأمانة. وبايع الناس أبا بكر خليفة له، ولكن بعد هذه المبايعة مباشرة، وقعت أول ثورة في الإسلام من أناس كانوا يشهدون أن لا إله إلا الله وأن مُحَمَّدا رسول الله، وكان من هؤلاء الثائرين من ارتد على عقبيه، وأنكر ما اعترف به، ومنهم من عزت عليه أمواله، فامتنع من أداء الزكاة …
نصر
فكان
ورضى
في الموقف الحازم الصلب الذي وقفه منهم خليفة رسول الله رغم معارضة بعض الصحابة له، كان في هذا الموقف الحازم الصلب إقرار لحكم الله وتثبيت لقدم الإسلام و وقضاء مبرم على أصول هذه الثورة أو الفتنة والقائمين بها، فاستتب الأمن،
لدين الله،
ونصر
(1) لقد استعملت كلمة "الثورة" في حلقات هذا الكتاب، وأنا أقصد بها الحركة التي يقوم بها ناس لتغيير وضع لا يرضيهم دينيا أو سياسيا أو اجتماعيا أو اقتصاديا، مهما كانت بواعث هذه الحركة، وأيا كان هذا الوضع، ولم أقصد باستعماله كلمة ثورة في هذه الحلقات ما قد تشعره هذه الكلمة من المعنى العميق الذي يقصده التغيير الجذري في حياة أمة وعقيدتها.