الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٢٨

الإباضية في موكب التاريخ

26

نشأة المذهب الإباضي واستقرت الأمور، واستمر المسلمون في أداء الرسالة التي دعا إليها مُحَمَّد طيلة خلافة أبي بكر، وطيلة خلافة عمر، وذلك العهد المجيد الذي يعتبر بحق امتدادًا لعصر النبوة، وتولى عثمان الخلافة فسارت الأمور ست سنوات كاملة سيرتها في زمن الخليفتين السابقين، ثُمَّ بدأت الأحوال تتغير، وظهرت مشاكل جديدة، وتعثّر سير الخلافة، فقد أصبح نقد أعمال الخليفة والنيل من سلوكه يتفشى على كثير من الألسنة، ويجري في كثير من المجتمعات، ولم تتم ست سنوات أخرى حتى كانت الثورة الجامحة التي ذهبت فيما ذهبت بحياة عثمان بين سمع وبصر كثير من الصحابة، وكانت هذه هي الثورة الثانية بعد وفاة رسول الله -عليه الصلاة والسلام-. وبايع المسلمون عَليًّا بن أبي طالب أميرًا للمؤمنين، وكان أَوَّل من بايع طلحة بن عبد والزبير بن العوام، ولكن ما كادت تتم البيعة حَتَّى كان طلحة والزبير يحملان لواء الثورة مع جماعة من كبار الصحابة وقد استظهروا بأم المؤمنين عائشة. ووقف الخليفة مع لثائرين موق موقفًا حازمًا صلبًا، وقتل في هذه الثورة الطاحنة عدد غير قليل من المسلمين، ذهب فيمن ذهب فيها طلحة والزبير وتابت أم المؤمنين ورجع بقية الثائرين إلى حظيرة الإمامة والأمة، وكانت هذه هي الثورة الثالثة في الإسلام.

الله،

لَمْ تكد تنتهي هذه الحرب الطاحنة، ويعود إلى البلاد الهدوء والاستقرار، ويعرف معاوية أن الثورة فشلت، وَأَنَّهُ معزول عن ولاية الشام لا محالة، حتّى أعلن الثورة بالشام وهو حينئذ عامل من عمال الخليفة، وأظهر أنه يطالب بدم عثمان، وقد استعد أمير المؤمنين لإطفاء هذه الثورة، كما أطفأ الثورة التي سبقتها، وجهز جيشه القوي، وسار به نحو الشام، حيث التقى بالجند الثائر

في الموضع المعروف "صفين"، وبدأت المعركة، ثُمَّ استمر القتال حتى ظهرت طلائع النص وأشرف جيش الخليفة على امتلاك زمام المعركة، ولم يبق للقضاء على هذه الثورة الجامحة إلا لحظات، عبر عنها الأشتر النخعي بفواق الناقة التجأ الثائرون إلى الحيلة والخدعة ولجأوا إلى المكر والمكيدة، فرفعوا المصاحف وهم يصيحون يا أهل العراق بيننا وبينكم كتاب الله. طلب الثائرون هدنة، ودعوا الخليفة الشرعي وجيشه إلى تحكيم حكمين. وقد فطن أمير المؤمنين وبعض من جيشه إلى هذه الخدعة، وعرفوا القصد من هذه الهدنة؛ ولكنه بدلا من أن يقف موقفه الحازم، ويواصل حربه ضد الثأيرين، حتّى يتحقق النصر وقد تحققت بشائره