الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٢٧١الإباضية في موكب التاريخ
269
الإباضية في ليبيا (1)
إنك مهما تتبعت حياتهم فلن تجد لأحد منهم ذلك النعيم الذي يتقلب فيه أصحاب السلطة الظالمون، ولن تجد عندهم هذه الحواشي التي تخون الله والحاكم والأمة، فتقلب الحقائق وتشوه وجه الحق وتنفخ الكذب والزور في أذن الحاكم ليغتر ويحيد عن سبيل الله، فإذا حاد فقد وجدوا ما يطلبون وحققوا ما كانوا به يحلمون.
ولن تجد عندهم القصور الشامخة، والجواري، الحسان، إنَّهم كانوا يعيشون على شظف من العيش كما عاش خير الخلق الل، وكما عاش خلفاؤه الأتقياء من بعده، لا يشبع الواحد منهم في حياته الطويلة وكفاحه المستمر بالخبز والزيت وليس ذلك للحاجة والفقر؛ ولكنه لقوة الإرادة والتغلب على وسوسة الشيطان والهوى. ولقد يسأل القارئ الكريم عن أسباب هذه الاستقامة التي وجدت في جميع حكام الإباضية تقريبا، لا يشذ عنهم إلا الترر اليسير؟
وللجواب عن ذلك نحيله إلى القواعد التي اعتمدها الْمَذهَب الإباضي في قضية الحكم،
غير متأثر بعواطف الشيعة، ولا عنصرية الأموية، ولا ربكة الشعوبيين. فالمسلم الإباضي لا يعترف بحق الوراثة في الحكم، ولا يصدق بقضية العنصرية، في اختيار الحاكم، ولا يطيع من لا يطيع الله ويقيم حدوده ويحكم بما أنزل.
ولذلك فهو أولاً يختار من يضع بين أيديهم مقدرات الأمة، هذا الاختيار على وينبني الكفاءة المطلقة، الكفاءة العلمية والكفاءة الدينية والكفاءة الخلقية والكفاءة العقلية. ثُمَّ هو لا يقر على الحكم من ينحرف عن صراط الله المستقيم الذي سار عليه النبي وخلفاؤه الراشدون، والسلف الصالحون المصلحون.
فكان أولئك الناس الذين يقع عليهم الاختيار لتحمل أعباء الحكم، يجهدون أنفسهم للقيام بالواجب، والمحافظة على السيرة المرضية، وهم مع هذا الحرص يخشون عذاب الله من التفريط، ويخافون نقد الأمة التقصير، فإن الحاكم الذي يعجز عن القيام بالمهام التي من أسندت إليه - إمَّا ضعفًا عنها أو انحرافا عن سبيل الله - يجب عليه أن يتخلى عن هذه المسؤولية التي لم يستطع تحملها. فإذا خطر له أن يستمسك بها على هذا القصور أو التقصير أهله. وجب قتاله وقتله وإسناد الأمر إلى من هو