الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٢٧٤الإباضية في موكب التاريخ
272
الإباضية في ليبيا (1)
كافرة تعيش في وسطها كما تعيش الجراثيم، وتعمل كما تعمل الطوابير الخامسة في اصطلاح السياسة.
أما الثاني: فهو هذه التضحية الكاملة التي يقدمها الحاكم للأمة، إنه الشعور بالواجب المقدس الذي يتعالى فيه الشخص عن مكاسبه المادية ومصلحته الشخصية، وينسى فيه نفسه وماله وأهله ليقدم للأمة ما يملك من جهد وفكر ووقت. والمؤمن حين يتولى الحكم من هذا السبيل يجب أن يزيل من ذهنه أوَّل ما يزيل المتعة والراحة والسلطة - والمال؛ لأنه خادم أمين مخلص، وخادم القوم سيدهم. فالسعادة التي يملكها حاكم الأمة المسلمة إِنَّما هي في نفسه لا في مهنته، والسيادة النفسية لا تتنافى مع خدمة الناس؛ بل لعلها لا تكون سيادة حقا إلا عندما تتجلى في هذا الجانب الأعمال المبينة على التضحية ونكران الذات. ولذلك فما من مؤمن حريص على إيمانه حريص على كرامته يسعى إلى أن يلي أمور الناس أو يقبلها إذا عرضت عليه اللهم إلا في الحالة التي تحتاجه الأمة، ويكون قبوله لهذا الأمر ضروريًا، وفراره منه يؤدي إلى أضرار تلحق بها، فحينئذ يكون واجبًا من الواجبات التي لا يحل له أن يتخلى عنها.
من
وفي تاريخ الأمة الإسلامية أمثلة رائعة من ذلك فقد قبلها الصديق له مكرها بعد أن حاول أن يفر منها ويضعها على كاهل الفاروق أو أمين الأمة. وقبلها علي بن أبي طالب مكرها وهو يقول للقوم: "لأن أكون وزيراً خير لكم من أن أكون أميرا". وقبلها أبو الخطاب عبد الأعلى بعد أن خير بينها وبين القتل. وقبلها أبو عبيدة عبد الحميد الجناوني بعد أن أقنعته العجوز أن إعراضه عنها سيكون سببا لدخوله النار. وقد تحمل الصديق أعباء الإمامة وهو يحاول أن يعمل كأي فرد في السوق ليعول أفراد أسرته الكبيرة، وبقي الفاروق اثنتى عشر سنة في الخلافة فلم يتجاوز بذخه في الطعام الخبز والزيت. وكان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب يكنس بيت المال كُل جمعة، وعندما استعارت ابنته حلية من خازن بيت المال تتزين بها لمناسبة عارضة ثُمَّ تردها، غضب على على الخازن وهم بقطع يد ابنته وقال: لولا أنها استعارتها لكانت أول هاشمية تقطع يدها.