الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٢٧٥

الإباضية في موكب التاريخ

273

الإباضية في ليبيا (1)

وكان عمر بن عبدالعزيز يعيش في زمن الرغد الذي لا يوجد فقير تدفع له الزكاة، ومع ذلك فقد كان يطفئ السراج إذا انتقل الحديث إلى شأن غير شؤون الأمة مخافة أن يرزاً الأمة في قطرة من الزيت.

وتوفي عبد الوهاب بن رستم الذي كان يحكم الجزائر وتونس وليبيا بعد عشرين سنة الحكم، فأحصيت تركته فبلغت سبعة عشر دينارًا. وحكم أبو زكرياء ستين سنة، وولد له طفل فَلَمَّا طلبت منه زوجته النفساء أن يبعث إليها بقليل من الزيت للاستصباح ودهن

الطفل، اعتذر بأنه ليس لديه زيت ورجاها أن تستصبح بالحطب وتغسل الطفل بالماء. هؤلاء الأبطال ومن سار بسيرتهم وانتهج طريقتهم هم أمراء الإسلام. ولم ينقص من الصديق أنه كان يعمل في السوق كما يعمل أي فرد آخر من الأمة، ولم ينقص من عظمة وَلَمْ الفاروق أنه لم يتجاوز في أكله الخبز والزيت، ولَمْ ينقص من عمر بن عبدالعزيز أنه لم يتخذ عرضًا كما اتخذ بقية ملوك بني أمية وَلَمْ يلغ في أموال الناس ودمائهم كما ولغ غيره

من طلاب الدنيا.

إنني

أكتب هذه الكلمة وأنا أرجو أن يجد فيها القراء الكرام بعض العبرة وبعض القدوة، وأن يدرك أولئك الذين وضعت أمور المسلمين بين أيديهم في مختلف مرافق الحياة أن العظمة إنما تكون في النفس لا في المظهر وأن متع الحياة مهما كانت مصادرها وشيكة الزوال، وأن يتساموا بأخلاقهم وأعمالهم عن دنس الأنانية ورجاسة المادية ووضر الانتهازية والانتفاعية، فإن تلك الأخلاق بقايا من الصفات الحيوانية التي علقت بالإنسان ينميها النظر القصير. إنه يجب عَلَى كُلِّ من ولي أمرًا من أمور المسلمين أن يعرف أَنه إِنَّمَا يأخذ مرتبا مقابل أن يدفع للأمة كُلّ طاقاته بما يملك من علم وقوة وعمل، لا يدخر وسعا، ولا يبقي جهدًا، وأنه ليس له أي حق في أن يضيف إلى مرتبه الذي جعل أجراً له على جميع قواه، لا يحل له أن يأخذ شيئًا من الأمة بأي وسيلة من الوسائل زيادة على ذلك، وأن أي تقصير في البذل أو أي زيادة في الأجر - بعد الأجر المقرر – إنَّما هو خيانة وسرقة. فإذا لم يستطع الإنسان أن يقوم بمهمته أو أن يصون يده فيجب عليه أن يتخلى المن

يستطيع ذلك.