الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٢٩

الإباضية في موكب التاريخ

27

نشأة المذهب الإباضي ويلقى البغاة بأسلحتهم، ويعودوا إلى صف الأمة الذي انشقوا عنه وبغوا عليه، بدلا من أن يقف موقفه الحازم ذلك، استجاب لدعاة الهزيمة، وأخذ بنصيحة طلاب الدعة، وأكثرهم موعود من

معاوية أو من عمرو بن العاص (1). ورضي بالتحكيم وقبل الهدنة، وأمر بإيقاف القتال في الحال. وهكذا انتهت هذه الثورة الرابعة إلى هذا الموقف المائع، الذي جعل حق علي في الخلافة يتساوى مع حق معاوية، وجعل نصيب البغاة الثائرين من الصواب يساوي نصيب جيش الأمة الذي يدافع عن خلافة شرعية تمت بالشورى وانعقدت بالبيعة.

وتداعى الذين فطنوا إلى خدعة الهدنة من أصحاب عَليّ وحذروه من قبولها، وأخبروه أن قبولها يعنى الشك في خلافته والتنازل عنها. وكانوا مصرين أن الخلافة الشرعية حق لا يتطرق إليه الشك، ولا يجوز فيها الرجوع ولا تقبل فيها المساومة. وإذ خطر لعلي أن يستجيب لدعاة الهزيمة من جيشه، والماكرين من عدوه، وأن يشك في نفسه، والحق الذي بيده ويتنازل عن الشرف الذي أولاه المسلمون، ويساوي بينه وبين عماله في قضية أخذ فيها عهدًا من الأمة، وأخذت منه فيها موثقاً وعهدًا، ورضخ إلى تحكيم رجال فيما نزل فيه حكم الله.

أحد

حين فعل علي ذلك تداعى أولئك الذين لم يرتضوا التحكيم، وحذروا عليا من قبوله وهم يرون أن معاوية باغ لا حق له، وأن بيعة علي قد انفسخت بموافقته على الهدنة ورضائه بالتحكيم، فلم تبق لأحد في أعناقهم بيعة، وليس لأحد عليهم ميثاق. تداعوا إلى أن يعتزلوا جيش علي، وركنوا إلى موقع يسمى "حروراء" فانعزلوا فيه ينتظرون تجدد الحوادث، واتجاه الأمة في قضية الخلافة، ويمكن أن يسمى هذا الانعزال عن جيش علي بالثورة الخامسة، ولو أن هذه الثورة إلى هذا الحين كانت ثورة سلبية، وموقف أصحابها كان موقف المحايد الذي ينتظر مجرى الأمور، وقد جرت الأمور بأسرع مما يتوقع لها، فما بلغ الموعد الذي حدده الطرفان لانتهاء الهدنة حتى اجتمع الناس، وأعلن أبو موسى الأشعري مندوب علي عزل عَلي الخلافة، وترك الأمر شورى بين المسلمين يختارون من يشاؤون.

عن

(1) قال أبو العباس الشماخي في السير: "وكان معاوية يمنيهم". ص 48.