الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٢٨٧الإباضية في موكب التاريخ
285
الإباضية في ليبيا (2)
الكفاح العلمي
انحرف السياسيون والعسكريون في الأمة الإسلامية بعد الخلافة الرشيدة عن الاتجاه الذي يدعو إليه الإسلام. وبدلا من أن يبقى الفكر وأن تبقى السيوف خدما للرسالة العظمى التي تصون الإنسانية من الانزلاق مرة أخرى، بدلا من ذلك استخدمت في توفير المتعة والثروة لعدد ضئيل من الناس، واتجه الملوك الظالمون وأتباعهم إلى اقتباس حياة بعيدة عن روح الإسلام، فجلبوها من بلاط الروم أو الفرس، وكونوا في الأمَّة المسلمة التي كانت وحدة متكاملة يستوي فيها جميع الأفراد، كونوا في هذه الأمة الكريمة التي وحدتها العقيدة، وأعزها الإسلام، وساوى بين جميع عناصره العبودية لله وحده - نظاما طبقيا بغيضا، تنقسم فيها الأخوة إلى طبقة حاكمة وطبقة محكومة، وعملوا عَلَى أن تكون الطبقة الحاكمة صاحبة الحق في كُلّ شيء، وأن تكون الطبقة المحكومة ليس لها حق في شيء. بل يجب عليها أن تكد وتعمل لتوفر للطبقة الحاكمة أسباب المتعة والراحة والرغد. وهكذا ارتكست الإنسانية من جديد، ورجعت إلى المجتمع بعض الأمراض التي جاء الإسلام لمحاربتها والقضاء عليها .. ومنذ بدأ هذا الاتجاه الخاطئ في الأمة الإسلامية قام المؤمنون المستمسكون بدين الله يحاربون هذا الانحراف ويقومون هذا الخطأ في الاتجاه، ونجحوا مرات وأخفقوا مرارا، إلا أن هذا الكفاح استمر طويلا، ولا زال مستمرا إلى اليوم، وإلى أن يسود الحق والعدل والحكم بشرع وفي الفصول السابقة التي تحدثت فيها عن بعض الأبطال الذين كافحوا هذا الباطل الذي استعلن والظلم الذي انتشر صور من هذا الكفاح الطويل، وليس هذا الكفاح مقصورًا عَلَى ليبيا، أو عَلَى الإباضية، ولكنه لم يخل بلد من بلاد الإسلام، ولا فرقة من فرق المسلمين من رجال أو هيئات أخذوا على أعناقهم ألا يهادنوا الظلم، وأن لا يخضعوا للطغيان، وأن لا يستنيموا عَلَى الذل، وأن لا يسكنوا عن الانحراف.
الله.
ومع هذا الانحراف السياسي في الاتجاه الخاطئ والبعد عن روح الإسلام وقعت انحرافات من الاتجاه الديني والعلمي والخلقي. وكما اقتبس رجال الحكم نظم الحياة من ملوك سابقين أخذ