الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٢٨٩

الإباضية في موكب التاريخ

287

الإباضية في ليبيا (2)

هذه القوى وغيرها لا تزال متظافرة الجهود تحارب الإسلام في عدله ونزاهته وسموه. ولا يزال علماء الإسلام يواصلون دفاعهم لهذه الجهود الكافرة المتظافرة التي تحاول أن تحطم الإنسانية في الإنسان، لتترك منه حيوانا فاقد الحياء، يعيش بغريزته، ويتعامل على أساسها في قيم الحياة الأولى. وإلى أن يأذن الله بنصر الحق ويقضى بنهاية هذا التمرد على حكمة الخالق وحكمه سوف

تستمر هذه المعركة دائبه حادة.

وَأَمَّا الموقف الثاني الوقائي: فقد تظافرت عليه جهود العلماء الأعلام من الأمة، وذاك بالتربية الصحيحة والتعليم الحق والكشف عن مزايا الإسلام وفي هذا الموقف كان المخلصون من الأمَّة يعملون جاهدين وبما لديهم من قوى في إنشاء المدارس، وبث الوعي الديني في الأمة، ونشر الثقافة الصحيحة بين جميع الطبقات، وإرساخ قواعد الإسلام وحكمه وأخلاقه ونظمه للحياة والمجتمع في قلوب الناس وفي أعمالهم ومعاملاتهم، فهم كانوا حراصا على أن يغرسوا الفضيلة بمعانيها الواسعة فضيلة الخلق وفضيلة الدين في قلوب الناس قبل أن تحتل القلوب آراء أخرى بعيدة عن الإسلام أو بعيدة عن الخلق.

وفي غرس الفضيلة في القلوب الغضة الطرية - حَتَّى تصبح عقيدة أو خلقا وقاية للنفس من أن تتسرب إليها أمراض أخرى والقيام بهذا العمل في الشباب الذي يقبل على التعليم قد يكون أمراً ميسوراً. أما أولئك الذين حرموا نعمة التعليم، وأجبرتهم ظروف الحياة والعمل على أن يزودوا معاهد المعرفة، كان هؤلاء الطبقة من الناس تكون مشكلة بالنظر إلى العلماء والمصلحين، ولذلك فقد جعلوا من همهم أن يقوموا بدروس الوعظ والإرشاد في مستوى هذه

الطبقة، حتّى يثقفوا عقولها بالمعرفة، ويملأوا قلوبها بالإيمان، ويشغلوا أوقاتها بالعمل. وكانت وقاية للشباب من أن يلقنوا الخطأ، ووقاية للناس من أن يستغلهم المستغلون. كان القيام بهذه المهمة فيه عسر وفيه مشقة، وقد تتطلب معالجة هذه الحالة من العالم المصلح أن يكون متحركا، لا يقيم في مكان، وقد كانوا يحاربون عدوان البدعة أو الضلالة أو الجهل، كما يحاربون العدو الذي يحمل آلات الخراب والتدمير، فيركزون دروسهم في محل ما، حتى يطمئنوا إلى أنهم قد حقنوا تلك النواحي بالمصل الواقي، وأصبحوا لا يخافون عليها، فينتقلون إلى مكان آخر يقومون فيه بنفس العلم، ويواصلون كفاحهم من أجل سلامة العقائد والعقول، كما كان