الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٢٩٠الإباضية في موكب التاريخ
288
الإباضية في ليبيا (2)
يفعل أبو موسى عيسى الطرميسي، وأبو ساكن الشماخي وآلاف غيرهم من علماء الإسلام المخلصين في كُلِّ فرقة، وفي كُلِّ بلد من الوطن الإسلامي الفسيح.
وفي هذا القسم من الوطن الإسلامي الكبير، وعند هذا الجزء الصغير من أمة محمد وقف علماء الإباضية كما وقف غيرهم من العلماء والأعلام منذ انتشر الإسلام في هذه البقاع، يدافعون عن صفاء الإسلام منهم من يتصدى للدفاع في الموقف العلاجي فيدافع البدعة، ويرد الضلالة، ويحطم الباطل، ويبطل كيد الكائدين، ثُمَّ يدعو الناس إلى الاعتراف من النبع الصافي الذي جاء به دين
الله
ومنهم من يتصدى للدفاع في الموقف الوقائي، فينشئ المدارس ويضع لها المناهج وصايا الإسلام، ويتولى الإشراف عليها، وتربية الأجيال المتخرجة منها. ثم يواصل هذا الكفاح الوقائي، فيلقي دروس التوجيه العام، فينير سبيل الله للسالكين، ويملأ قلوبهم بالفضائل التي دعا إليها خاتم النبيين وسيد المرسيلين.
وفي الفصول الآتية سوف أعرض صوراً من هذا الكفاح الطويل الكفاح العلمي ضد الجهل وضد البدعة وضد الضلالة وضد الخرافة وضد الدسيسة التي جاءت قديما عن طريق الديانات التي أبطلها الإسلام وتجيء اليوم عن طريق الاستعمار والصهيونية.
يقوم بهذا الكفاح أبطال وهبوا أنفسهم بما تملك من قوى لخدمة الأمة وإعلاء كلمة الله. وأنا في هذه الصور التي سوف أعرضها عَلَى القارئ الكريم في سير أبطال من أعلام الإسلام لا أزعم أن هذا الشرف مقصور على هؤلاء الناس الذين تحدثت عنهم، أو ذكرت أسماءهم، ولا أزعم أنه مقصور على هذه الفرقة من فرق المسلمين الكثيرة التي تجهد كُلّ واحدة منها أن تنال رضا الله، وتظفر بمحبته ومغفرته.
وَإِنَّمَا ضربت بهؤلاء المثل، وأنا أعلم أن الأمة الإسلامية وأن الوطن الإسلامي غني بأمثال هؤلاء العمالقة الذين يكافحون بصمت أو بإعلان، ولن يضير جهادهم استعلان الباطل في بعض الأمكنة أو بعض الأزمنة، ورجحان كفة الشيطان في بعض فترات التاريخ، فإِنَّهُم ونحن
معهم على يقين بأن كلمة الله سوف تكون هي العليا وأنه سوف يذوب كُلّ ما يرجف
المبطلون ويزعمه المغرورون.