الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٣٠الإباضية في موكب التاريخ
28
نشأة المذهب الإباضي
كان هؤلاء المحايدون يتتبعون منطق الحوادث والواقع، فهم ينظرون إلى معاوية نظرتهم إلى باغ يحاول أن يفرض نفسه بالمكر والحيلة ولذلك فهم لا يقيمون أي وزن لدعوى عزله، فهو لم يتول أمر الخلافة إلى ذلك الحين لا بالإكراه ولا بالشورى فلا معنى لعزله من منصب ليس هو فيه. كما لا يقيمون أي وزن لتولية عمرو بن العاص له؛ لأن عَمْرًا لم يفوضه المسلمون في تولية أمير المؤمنين. أما نظرتهم إلى علي فقد كانوا يتوقعون أن يتفق الحكمان على إقراره في الحكم، وحينئذ ترجع إلى علي الصبغة الشرعية التي تنازل عنها لإثباتها، ويجب على المسلمين حينئذ أن يوحدوا صفوفهم تحت طاعته ما قام فيهم بكتاب الله. ولكن المندوب الذي اختاره علي ليمثله في هذه القضية الظالمة أعلن أنه عزل عليا عن أمر المسلمين، وأن الأمر أصبح للشورى والاختيار، وتأيد موقف هؤلاء المحايدين، وانضم إليهم عدد آخر ممن كانوا يقفون إلى جانب عَلي حَتَّى ذلك الحين. وبحثوا الأمر فيما بينهم على أساس أن المسلمين أصبحوا دون خليفة، فهذا معاوية باغ ظالم لا يمكن أن يتولى أمر لسلمين، وهذا عليّ يعزله المندوب الذي اختاره للتحكيم، وإذن فليختاروا … واختاروا: عبد الله بن وهب الراسبي، فبايعوه أميرًا للمؤمنين وخليفة للمسلمين بعد علي بن أبي طالب، فهو الخليفة الشرعي الخامس في نظرهم .. وبهذه الخطوة أصبحت الأمة الإسلامية منقسمة إلى ثلاث دول: دولة يرأسها معاوية وإن لم يبايعه عليها أحد إلى ذلك الحين. ودولة برأسها علي بن أبي طالب بعد أن فشلت في نظره حكومة الحكمين، وعاد فاستمسك بالبيعة الأولى دون أن يعترف بعزل أبي موسى الأشعري له مندوبه في قضية التحكيم. ودولة يرأسها عبد الله بن وهب الراسبي بعد أن بايعه جمع كبير من الذين انفصلوا عن علي عند قبول التحكيم. ثُمَّ. عند إعلان الحكم بعزل عليّ عن الخلافة، ومع كُلّ فرقة من هذه الفرق جمع غير قليل من كبار الصحابة، وفيهم بعض المشهود لهم بالجنة (1).
(1) من المشهود لهم بالجنة: عمار بن ياسر، وقتل في صفين مع علي بعد أن رفعت المصاحف، فلم يسـ لدعوة الهدنة واندفع إلى المعركة حتى قتل، وقد قيل لمعاوية في ذلك فأجاب بقوله: "قتله من أخرجه". ومن المشهود لهم بالجنة حرقوص بن زهير السعدي، فقد حدثت عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها يوما: أول من يدخل من هذا الباب من أهل الجنَّة؛ فدخل حرقوص بن زهير السعدي ولحيته تقطر ماء، وقد تكرر الحديث ثلاثة أيام. وقتل حرقوص بن زهير مع من أنكر التحكيم.