الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٢٩٢

الإباضية في موكب التاريخ

290

الإباضية في ليبيا (2)

كان عضوا بارزا في البعثة التي ذهبت إلى البصرة، ودرس على الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة. وتحمل مع أستاذه وزملائه كثيرًا من الأذى والاضطهاد الذي لاقاه الأئمة المرشدون، والعلماء المصلحون من الولاة والظلمة والملوك البغاة. وَلَما بلغ حملة العلم غايتهم من العلم، وقرروا السفر إلى المغرب، حَتَّى خرج الإمام أبو عبيدة لوداعهم وَلَمْ يرد الطالب النجيب أن تمضي هذه الفترة القصيرة التي سايرهم فيها أستاذهم في حديث عادي دون جدوى، وأراد أن يستغل حَتَّى هذه الدقائق الأخيرة قبل فراقهم لذلك البحر الذي لا ينضب، فكان يوجه إليه في لباقة أسئلة، وكان الإمام العالم يجيب، وَلَمْ يقطع المسافة التي قرر أن يرجع منها حتَّى كان ابن درار قد وجه إلى أستاذه ثلاثمائة سؤال في مشاكل الأحكام.

وعجب الإمام الكبير من طالبه الذكي، ومن حرصه على الاستفادة أو على الاستيثاق من معلوماته، ومن استحضاره لهذه المشاكل في لحظات الفراق التي تتغلب فيها المشاعر الحساسة والعواطف الجياشة على التفكير العقلي المتزن.

وَلَمَّا أتم الطالب النجيب أسئلته، وهم الإمام بالرجوع، رفع عينيه إلى تلميذه وهو يبتسم ابتسامة الوالد الحنون وقد سر من ولده وقال كأنك تريد أن تكون قاضيا يا ابن درار؟ فأجاب الطالب أرأيت إن ابتليت بذلك ياشيخ؟

إن هذه الحادثة البسيطة كافية للدلالة على علم الرجل، وعلى خلقه، وعلى دينه. مارأيك أيها القارئ الكريم في رجل يتكبد الرحلة من الجنوب الليبي إلى البصرة في العراق. ويقضي خمسة أعوام تحت عذاب الغربة والحاجة والاضطهاد، ليطلب العلم وينال الأمنية الغالية بعد أن استترف ماء شبابه وأذبل زهرة حياته، ويعزم على الرجوع إلى بلده ومفارقة معهد دراسته، ليحيا الحياة العادية التي يحياها الناس، فيسأله أستاذه ممازحا: هل يريد أن يكون قاضيا؟ ويجيب الفتى أنه يعد العدة، فقد تتزل عليه هذه البلية. إنها مصيبة يجدر بالمرء الكريم أن يفر منها، ولَكنَّهُ في نفس الوقت يجب أن يكون مستعدا لتحملها، والقيام بأعبائها، حتى إذا قدر وأصيب بما استطاع أن ينهض بهذا الحمل الثقيل. إنه لا يرى في منصب القضاء أو في أي منصب آخر من مناصب الحكم ذلك الوجه البراق الذي