الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٢٩٣الإباضية في موكب التاريخ
291
الإباضية في ليبيا (2) يسعى إليه عبيد الدنيا، وطلاب الجاه الزائل، والسلطان الخادع؛ ولكنَّه يرى فيه ذلك الوجه المعتم الذي يجب أن يتحمله المسلم خدمة لدينه، وأمته وهو عليم أنه لن يجد منه مكسبا دنيويا، أو مغنما ماديا، فإذا قدر في نفسه أو في علمه أنه سوف يغنم منه لدنياه، فقد حاد عن طريق الصواب، وتغلغل في الظلال.
ولذلك لم يفزع إلى شيخه يطلب منه الدعاء لتحقيق هذا الأمل؛ وَإِنَّمَا أجابه في خوف ورهبة أنه يعد نفسه لتحمل المكاره، حتّى لا ينوء تحت ثقلها.
وقد كان من إرادة الله، أن تحققت نبوءة الإمام، ونزلت عليه هذه البلية التي أعد العدة لتحملها؛ فتولى القضاء للإمام أبي الخطاب عبد الأعلى، وقام بهذه الوظيفة كما يقوم بها مؤمن يعرف دين الله ويفهم أسرار الشريعة، ويخاف الله في مال الله، وعباده، فيتحرى الحق، ويجري العدل، ويتبع السير القويم الذي خلفه رسول الله.
كان العلامة ابن درار يعلم أن عمله الحقيقي ليس هو تولي أي منصب في الحكومة، إن الرسالة المقدسة التي ذهب من أجلها إلى البصرة، وبقي في ديار الغربة خمس سنوات لاقى فيها من شظف العيش، وظلم الجبابرة الشيء الكثير .. هذه الرسالة تستدعى منه أن يتخذ من إمامه أبي عبيدة قدوة ومثالا .. إن عمله الحقيقي الذي يجب أن يتولاه، وأن يسهر من أجله، وأن يبذل فيه كُلّ ما لديه من طاقة وجهد، إِنَّما هو التعليم هو تبليغ رسالة الله إلى الناس، كما جاء بها محمد، وتنوير قلوبهم وعقولهم بنور الإسلام، ولذلك فقد كون مدرسته العتيدة، مدرسة الفكرة، ومدرسة الحلقة، وأعطى لأمته من نفسه ومن وقته الشيء الكثير. فكان منبعا صافيًا يرده العطاش من كُلِّ جهة من بلاد الإسلام، وأدى هذه الرسالة، رسالة التعليم والثقافة في إيمان وإخلاص، وحرص، وصدق، كما أداها شيخه وأستاذه أبو عبيدة. وحسبه شرفًا أنه كون عقلية مثل عقلية مُحمَّد بن يانس وزملائه، الذين يندر
الله
أن يجود
الزمان بمثلهم، اتساع ثقافة، ومتانة خلق، وصحة عقيدة، واتصال كفاح الله وفي إِنَّه أحد أولئك الأعلام الذين كافحوا الانحراف عن دين الله بالطريقة الوقائية والعلاجية، وإن كانت آثاره في الميدان الأول أكثر وأظهر.