الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٢٩٤الإباضية في موكب التاريخ
292
الإباضية في ليبيا (2)
أبو المنيب مُحمد بن يانس
(1)
هو أبو المنيب مُحمَّد بن يانس الدركلي، قال فيه صاحب السير: "المجاهد لنفسه، المطيع لربه، ذو المناقب الشهيرة والمآثر الكريمة، ولكن هل تكفي هذه الجمل القصيرة للدلالة على هذه الشخصية الفريدة؟.
إنَّهَا شهادة من أبي العباس لها قيمتها؛ فأبو العباس من أولئك الثقاة الذين يزنون كلامهم بالميزان الدقيق، ويحملون الجمل القصيرة من المعاني ما يحتاج إلى صفحات كثيرة من غيرهم. ولكن ما أثر ابن يانس في المجتمع وفي الحياة؟ وما مبلغ دينه وأمانته وخلقه وعلمه؟. طلب الإمام عبد الوهاب في تاهرت من جبل نفوسة مائة عالم من علماء التفسير لمناظرة
المعتزلة.
والمعتزلة قوم ولعوا بالمناظرة والجدل، فهم لا ينفكون عن تحدي غيرهم من الفرق الإسلامية، وكان الإباضيَّة عَلَى عكس هؤلاء، ولعوا بالعمل بما جاء به الدين الحنيف، ولا يلجأون إلى الجدل إلا إذا اقتضى الحال إلى ذلك، أو وقع عليهم التحدي.
وعندما طلب من أهل الجبل هذا العدد الوفير من علماء التفسير، كان الجبل غاصا بالعلماء، ولكن المشايخ تشاوروا في الموضوع! لماذا يرسلون هذا العدد الوفير، وهم يجدون هذا العملاق الذي يقوم مقام مائة بين هؤلاء الأعلام؟!
وقرروا أن يختاروا من بينهم واحدا يقوم مقام مائة، واستعرضوا الأسماء، فاجتمع رأيهم على اختيار أبي المنيب للقيام بهذه المهمة .. وَلَمَّا أبلغوه اختيارهم لم يرهب الموقف، وهو يعلم ما للمعتزلة من صولة في الجدال. ولم يتهيب التعب وبعد المسافة بين ليبيا وغرب الجزائر، وَلَمْ يطلب من القوم أن يجعلوا له مساعدًا يذكره إذا نسي، وينبهه إذا غفل .. لقد قبل المهمة دون نقاش، واستعد للسفر في هدوء واطمئنان، كَأَنَّمَا يسافر للتجارة إلى سوق حرة في بلد مفتوح. إن القارئ وهو يدرس التاريخ، ويستعرض هذه الحوادث، لتأخذه الحيرة في أيهما أعظم؟
1) ذكره أبو زكرياء في الطبقة الرابعة، فهو من علماء النصف الثاني للقرن الثاني.