الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٢٩٥

الإباضية في موكب التاريخ

293

الإباضية في ليبيا (2)

الأمة ثقتها فيه،

هذا الشعب الذي يجمع على الثقة الكاملة في شخص واحد، ويتفق على اختياره ليقوم مقام مائة من المناضلين، ومن سوف يناضل هذا الرجل الوحيد الذي تضع ثُمَّ ترسله آلاف الأميال ليقف أمام التحدي؟ إِنَّه سوف يناضل المعتزلة، أبطال المناظرة، وفرسان الجدال في الأمة الإسلامية كلها؟ أم هذا الرجل الذي يتقبل ثقة الأمة فيه، ويستعد لخوض هذه المعركة التي يجهل فيها إمكانيات الخصم كُلّ الجهل، وَإِنَّمَا يعرف نفسه وما أعده لهذا الترال؟ لا في هذه الفترة القصيرة التي طلب منه فيها أن يمثل أمة، وَإِنَّمَا منذ كان يغدو ويروح على ابن درار يغترف من ذلك النبع الفياض؟

ويتأهب المفسر العظيم للكتاب الكريم للسفر، ويجتمع برفاقه الثلاثة الذين اختيروا بمثل هذه الطريقة لمثل هذه المهام، وليس مع هذا الوفد لجنة لنشر الدعاية، ولا آلة لتصوير المناظر، ولا خدم لتوفير الراحة، ولا حاشية لإظهار العظمة والهيبة. وَلَمْ يُزَوَّدوا بأموال للنفقة، وَلَمْ تحسب لَهُم علاوة للمبيت، ولم تفتح بين أيديهم خزائن

الدولة.

أثناء

لقد طلب إليهم أن يقوموا بمهمتهم، وليس لَهُم إِلا ما تفيض به رحمة الله. وودعهم إخوانهم الذين وثقوا بهم واختاروهم من بين آلاف العلماء الذين يزخر بهم الوطن الليبي في ذلك الحين، وَلَمْ يزودوهم بشيء غير دعوات صالحة من قلوب مؤمنة. وعندما انفصل الموكب عن المودعين، طلب إليهم أبو المنيب أن يسمحوا له بخدمتهم هذه الرحلة الطويلة - وَلَمْ يكن أبو المنيب أصغرهم سنًا - فسمح له الرفاق الثلاثة بذلك، فأضاف إلى عمله مهمة أخرى شاقة في سفر طويل. عندما يتزل الرفاق للمبيت، يبادر أبو المنيب فيعلف الخيل، ثُمَّ يجمع الحطب، ويهيئ العشاء، فإذا اطمأن إلى راحة رفاقه، وانتهوا من صلاة العشاء، وآوى الزملاء إلى مضاجعهم، قام هو فاستقبل القبلة، وبدأ الصلاة مستفتحًا بالبقرة، فلا يقبل الفجر حتى يكون قد القرآن الكريم، فيصلي مع رفاقه صلاة الفجر، ويعد لهم ما تيسر من فطور،

ختم

ثُمَّ يواصلون الرحلة.