الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٢٩٦

الإباضية في موكب التاريخ

294

الإباضية في ليبيا (2)

وبعد أيام كان أبو المينب يشتغل بإحدى المهام، وكان الرفاق الثلاثة يتناقشون فيما بينهم عن زميلهم هذا، وَلَمَّا رجع إليهم قالوا له: إما أن تترك خدمتنا، وإما أن تترك هذه الصلاة في الليل، فقال: أما خدمتكم فلا سبيل لتركها، وأَما الصلاة فأرجوا أن تسمحوا لي بصلاة ركعتين فقط، ونظر القوم بعضهم إلى بعض وظنوا أن أمر صلاة ركعتين أمر يسير لا بأس به فوافقوه عَلَى هذا الالتماس. وعندما جاء موعد صلاته قام فاستقبل القبلة واستفتح للصلاة بسورة البقرة، واستمر يتلو كتاب الله حَتَّى ختم سورة الكهف، فأهوى للركعة الأولى، واستفتح للركعة الثانية بسورة مريم وركع لها عندما ختم سورة الناس، فما سلم حتى انبثق الفجر، وقام مع زملائه لصلاة الفجر، وعند المساء وهم يتناولون العشاء الطي الطيب البسيط الذي أعده لهم قالوا: ارجع إلى عادتك الأولى من الصلاة، فإن في الركوع والسجود بعض الراحة (1).

نظر إليه أحد الزملاء في ظلام الليل - والرياح الجنوبية الهوج في الصحراء تعبث بثيابه وهو قائم يناجي ربه في صلاة خاشعة - فقال: إن كان لا يدخل الْجَنَّة إلا من كان مثلك يا ابن يانس فستصيبك فيها الوحشة. وكان رحمه الله إلى هذا العلم الواسع، والورع الذي بلغ النهاية، حازما قويا في الله لا يخشى صاحب سلطان، ولا يسكت عن منكر يرتكب أمام عينيه مهما كان صاحبه، ولا يدع الأمر بالمعروف.

دين

كان بمصر في تجارة له يبيع فيها زيتا، ومر به أعوان السلطان يحملون شخصا وهو يستغيث. مر به وهو يقول: أنا بالله وبالسلطان، فلم يشتغل به، ثم سمعه ثُمَّ يقول: أنا بالله وبأهل المروءة، فلم يشتغل به ثُمَّ سَمعه يقول: أنا بالله وبالمسلمين، فترك الزيت ووثب إلى الأعوان، فخلص منهم الرجل، وَلَمَّا نَجا الرجل ذهب مع الشرطة إلى السلطان فقال له السلطان ما حملك على ما فعلت قال العالم الورخ

(1) راجع الأزهار الرياضية، 2/ 119.