الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٣١

الإباضية في موكب التاريخ

29

نشأة المذهب الإباضي على أن هناك فريقًا رابعا اعتزلوا هذا النقاش الذي وقع بين المسلمين، وبعدوا عن قضية الخلافة، فلم يطلبوها لأنفسهم، ولم يؤيدوا واحدًا من طالبيها، ومن هذا الفريق السادة: سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر، ومُحَمَّد بن مسلمة الأنصاري، وأسامة بن زيد. جمع الإمام عَليّ جيشه ومن بقي تحت طاعته من الجند، فكر في إعادة الكرة

بعد أن

على معاوية وإحماد، ثورته ومحاولة إخضاعه من جديد.

ولكن بعض أصحابه أشاروا عليه بمحاربة عبد الله بن وهـ بن وهب الراسبي، هذا الخليفة

الجديد الذي وصل إلى منصب الخلافة عن طريق البيعة، وهو الطريق الشرعي للخلافة. واقتنع عَليّ بصواب هذا الرأي، فعدل عن محاربة معاوية إلى محاربة عبد الله بن وهب، وكان أتباع عبد الله بن وهب يعتقدون أن إمامهم هو الإمام الْحَقِّ، وأن كلاً من علي – بعد التحكيم والعزل ومعاوية ثائران يجب عليهما الرجوع إلى حظيرة الإمامة والأمة.

من

الأمة،

هذه خلاصة الثورات التي اشتعلت في ذلك العصر وذهب ضحيتها عشرات الآلاف أبطال الإسلام، وقد حاولت أن ألخصها بإيجاز قدر المستطاع، مع عناية بإيضاح القضية من الزاوية التي يراها بها أولئك الذي يطلق عليهم في بعض كتب التاريخ والأدب كلمة الخوارج أولئك القوم الذين يرون أنهم أصحاب الحق، وأن البيعة لم تنعقد بطريق شرعي بعد التحكيم إلا لبعد الله بن وهب الراسبي، ذلك الخليفة الذي بايعه جمهور من فيهم كثير من كبار الصحابة، من بينهم بعض المشهود لهم بالجنة … فإذا رجعنا إلى أَوَّل هذا البحث، وأردنا أن نستخلص منه طائفة معينة من الطوائف التي قامت بالثورة لنطلق عليها اسم الخوارج، فينطبق هذا الاسم عليها انطباقا كاملا، من الناحيتين السياسية والدينية، ويكونون خوارج عن الخلافة وخوارج عن الدين، ينطبق عليهم الحديث الذي أوردناه سابقا.

فأي هذه الطوائف الثائرة يمكننا أن نطلق عليها هذا الاسم ملاحظين فيه معنى الخروج عن الإسلام ونحن مطمئنون إلى صحة أحكامنا، ومنطقية استدلالنا وعدم انسياقنا إلى تيار معين من تيارات التاريخ.