الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٣٠٢

الإباضية في موكب التاريخ

الإباضية في ليبيا (2)

للإمام: "هذا سفسط المعتزلي وهنا زاغ منك. وهكذا كان يضع يده على نقط الضعف عند الإمام، أو عند المعتزلي. وبعد هذا العرض، اطمأن الإمام ووثق بصاحبه، وضمن لنفسه النصر في هذه المعركة الكلامية الحامية الوطيس.

العلامة الويغوى يوما، وَلَمْ يرجع إلا بعد هون من الليل، فسأله الإمام وأصحابه خرج عن سبب هذا التأخر، فقال لهم: لقد اجتمعت اليوم بتسعين عالما من علماء المعتزلة، أبواب الجدال، فأفحمهم الله جَمِيعًا، وأوضح الْحَقِّ ونصره، وأخبروه أن

وفتحوا معي عشاءه موضوع في حجرة مجاورة، ودخل الحجرة التي وضع فيها العشاء، ووجد إناء مغطى، فترع عنه الغطاء، ووضع يده باسم الله، فوجد طعامًا أكل منه حَتَّى اكتفى، ثُمَّ قال لهم: يظهر أن عشاءكم لَم يَنضج. فضحك القوم؛ لأن ما حسبه الشيخ الويغوى عشاء غير ناضج لم يكن في الواقع غير عجين أعد ليتخذ منه الخبز لفطور الصباح، أما عشاء الشيخ فقد بقي في زاوية أخرى من البيت لم يهتد إليها. ورد عَلَى ضحكهم قائلا: "إنِّي أحمد الله تعالى عَلَى ثلاث أقضي بقليل من النوم غرضي، وبأي طعام أسد به جوعتى، ولا أخشى مخالفًا يدحض حجتى" وإنه لمن نافلة القول أن أقص حكاية التاريخ، وأصف للقارئ الكريم موقف هذا الشيخ مع مشاغبي المعتزلة، وطريقته في إلزامهم الشبه الحجة، وإبطال ما لبسوا به من فإن الباطل لا يصمد للحق إلا قليلا على أن مظهر الانتصار أو عدم الانتصار في الجدل لا قيمة له في نظر المؤمن المخلص، إن الانتصار في الجدال مظهر من المظاهر التي يفرح لها طلاب الزهو والفخفخة، أما أصحاب الحقيقة أصحاب الإيمان والعلم، فَإِنَّمَا يسرهم منها

(1)

نتائجها إذا اهتدى بها قوم فرجعوا إلى الصواب بعد أن تخطفتهم مهاوي الضلال. أَمَّا القيمة الشخصية للرجل فهي في ذلك الثوب الفضفاض من العلم والإيمان والتقوى، الذي يلازم المرء في جميع أحواله.

(1) الأزهار الرياضية، ص 122.