الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٣٠٣

الإباضية في موكب التاريخ

301

الإباضية في ليبيا (2)

وأنا كما قلت في بعض الفصول السابقة: إِنَّمَا يهمني في هذه الحلقات أن أكشف عن الصور الرائعة من سيرة أبطال هذا الْمَذهَب الذي حورب من ناس لم يفهموا الإسلام، ولَمْ يعملوا به، ومن ناس يسهل لديهم أن يصفوا أهل هذا الْمَذهَب بِأَنَّهم خوارج، كما يسهل لديهم أن يعملوا عمل الخوارج وفي الحين الذي يعف فيه الإباضية العفة الكاملة يستحل أولئك الناس أموال المسلمين ودماءهم بالطريقة العملية، فما سنحت لهم فرصة لابتزاز الأموال أو قتل الرجال إلا ارتكبوها، وسواء كانت هذه الدماء أو الأموال لمخالفيهم في الْمَذهَب، أو الرأي أو كانت لموافقيهم فيها.

وإنك لتجد آلاف المواقف من هذا النوع، وإن شئت فارجع إلى التاريخ، فسوف تجد إخوة وأبناء إخوة يقتتلون من أجل المال أو السلطان، بل إنك لتجد أبناء يسرقون خزائن آبائهم، أو يقتلونهم؛ لأنَّهم يتعجلون الوصول إلى كراسي الحكم، إلى ما هنالك من أعمال يبرأ منها الإسلام، الإسلام الذي يحرم الدماء والأموال: «إِنْ دِمَاءَكُم وَأَمْوَالَكُم عَلَيكُم

حرام» (1).

كنت أتحدث عن مهدي النَّفُوسي الويغوي: هذا الرجل الذي اختير ليقوم مقام مائة عالم لجدال المعتزلة، إنَّه إلى هذه الثقة التي حصل عليها من الأُمَّة، وإلى هذا المقام الذي تبوأه في قلب إمامه بعد ما عرف علمه وذكاءه وعبقريته وإلى انتصاره المشهود في مناظرة تكاد تكون حدثًا عالميا في ذلك الحين .. إنَّه إلى كُلّ ذلك متواضع كريم، سأله الإمام بعد أن امتلأ إعجابا برجال الوفد في علمهم وخلقهم وشجاعتهم حتى ظن أنه لا يوجد لهؤلاء الرجال مثال: هل تركتم في الجبل من هو مثلكم، فأجاب العلامة المهدي: "تركنا من هو خير منا تركنا أبا عبيدة عبد الحميد الجناوني وقد لمس الإمام صدق هذا الرجل وصراحته فيما بعد حين زار جبل نفوسة، وأهمل بعض رفاقه دوابهم فأكلت من زرع الناس، فجاءه أبو عبيدة الشيخ العالم الذي ليس له يد

(2)

(1) أخرجه الربيع في صحيحه عن ابن عباس، رقم 464. (المراجع)

(2) راجع الشماخي: السير، ص 171.