الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٣٠٧

الإباضية في موكب التاريخ

305

الإباضية في ليبيا (2)

أبو مر داس مهاص السلماتي

(1)

بطل آخر من أولئك الأبطال الذين بلغوا من العلم درجة تتقاصر دونها مدارك الأقران، على

الجد

أن بلوغ درجة سامقة من العلم غاية يسيرة يستطيع أن يدركها كثير من الناس، بشيء من والمثابرة؛ ولكن العبرة أن يعرف الإنسان حقيقة هذا العلم، وأن يعمل بما تدعو إليه تلك الحقيقة، وأن يكون مُخلصًا في ذلك العمل وفي هذا الميدان تتعثر خطا أغلب الفرسان، ولا يصمد إلا القليل ممَّن ملك زمام نفسه، وغلب دواعي شهوته، وأدرك أنه ما خلق إلا ليجتاز هذه المرحلة – مرحلة الحياة - في سلام، ولن يكون السلام إلا لمؤمن يسجيب لخالق الإنسان

ليمر معه الإنسان في سلامة، فإذا انحرف عنه إلى يمين أو يسار وقع في مهاو ليس لها قرار. كان أبو مرداس من العلماء الذين فهموا أسرار شريعة الله، واتضح لهم هذا التخطيط الذي وضعته إرادة الله لسلامة البشر، فألزم نفسه السلوك فيه، وقصر أعماله على ما يدعو إليه دين الله، فيه يعمل وبه يترك، ثُمَّ هو لا يحسب لغير الله حسابًا. جند نفسه للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فكان يلطف من عنف ذوي السلطان في استخراج الْحَقِّ، ويقف لَهُم دون أن يصدر منهم باطل، لا يبتعد عن مجالس الحكم خوفًا من

أن يقع ظلم، وكان أصحاب السلطان يعرفون منه هذا، فكانوا لا يصدرون إلا عن رضاه. لزم الإمام عبد الوهاب مدة بقائه في ليبيا، وضيق عليه، وكان يحاسبه حساب المؤمن الحريص على دماء المسلمين وأموالهم، ومع ما اشتهر به الإمام عبد الوهاب من العلم والعدل، فقد كان يجد من أبي مرداس ناقدا لا يسكت ولا يلين حَتَّى قال الإمام: "أحفظ أربعة وعشرين وجها تحل بها الدماء، وَلَمْ يحفظ أبو مرداس إلا أربعة وشدَّد عَلَيَّ فيها (). وهذه القصة عَلَى قصرها تبين لنا أن سلطان المؤمن العالم أقوى من سلطان المؤمن الحاكم، فقد عرف الإمام الحاكم أربعة وعشرين وجها تحل بها الدماء، ولكن أبا مرداس لا يعترف بها ولا يقرها، ولا يسمح للإمام بإجراء الأحكام على مقتضاها، ويستسلم الحاكم للعالم، وكثيرًا ما يجد منه معارضة عنيفة، حتّى في هذه الوجوه التي يعرفها أبو مرداس.

(1) ذكره أبو زكرياء في الطبقة الرابعة: فهو من علماء النصف الثاني للقرن الثاني.

الشماخي: السير، ص 173.