الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٣٠٨الإباضية في موكب التاريخ
الإباضية في ليبيا (2)
هي:
؟ "، فعدوا له: أولاً،
ويوضح
قيل له: إن سبعين وجها تحل بها دماء الموحدين فسأل تحد: "ما في وثانيًا، وثالثًا، فقال في استنكار: "من أين؟! من أين؟! " وَلَمْ يتركهم يتجاوزون الوجه الثالث. إن وظيفة العالم المؤمن في المجتمع المسلم أن يقف بجانب الحاكم ليسدد خطاه، له طريق السير، ولا يدع مباحث الفقهاء الفسيحة في وجوه الأحكام تنفلت بسلطة الحاكم إلى سهولة التنفيذ.
وهكذا كان أبو مرداس - رحمه الله - يقف موقف القوي الذي يكبح أوامر الحكام خوفا من أن تجمع بها السلطة، أو يجمع بها العلم، وَلَعَلّ قارئًا من القراء الكرام يقول: هذه السلطة قد تجمح بصاحبها فتخرج به عن الْحَقِّ، فكيف يجمح العلم؟
والجواب عَلَى هذا التساؤل واضح في القصة الماضية لهذين الرجلين، فإن معرفة الإمام لأربعة وعشرين وجها من الوجوه التي تحل بها دماء أهل القبلة، يَدُلُّ عَلَى اتساع في العلم؛ وإجراء الأحكام على هذه الأربعة والعشرين وجها قد يكون جموحًا من العلم، ولذلك فقد كان أبو مرداس يكبح إرادة الإمام أن يجري أحكامه عَلَى جَميع الوجوه التي يعرفها. وأبو مرداس نفسه لا يجهل ما يعرفه الإمام من هذه الوجوه، ولكنَّه لا يريد أن تراق دماء المسلمين على إلتماس الأوجه التي تحل بها الدماء خوفًا من طغيان السلطان، على أن هناك فروقا دقيقة يلحظها المدققون من العلماء، ولذلك فهم يعتبرون لتلك الملاحظات كُلّ اعتبار .. وأبو مرداس حين يعترف بأن بعض الأوجه التي تحل بها الدماء فهو يعنى أن إراقة الدماء لإقامة الحدود التي أمر الله بها، يجب على الإمام أن ينفذها، ولكنَّه يجب أن لا يلتفت إلى تلك الوجوه التي تحل بها الدماء، وليس فيها إقامة لحدود الله، وليس في تركها إخلال بدين الله.
وفي هذا المقام زلت الأقلام وجمع العلم بالحكام، فكانوا يجدون من ضعاف العلماء فتاوى باستحلال الدم، واستغلوا تلك الفتاوى أبشع استغلال فأضروا بالأمة، وزرعوا فيها الفتنة، وأشعلوا بين أفرادها وطوائفها نار البغضاء.
وإنه ليحق لك أيها القارئ الكريم أن تعجب بخلق الرجلين العظيمين، هذا الرجل الذي يشمل سلطانه ربع قارة ثُمَّ لا يصدر أمرًا إلا برأي العلماء الصالحين، ولا ينفذ حكما إلا إذا
ارتضاه خيار المسلمين.