الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٣٠٩الإباضية في موكب التاريخ
الإباضية في ليبيا (2)
وهذا الرجل العالم الذي يقف في عزة المؤمن ليحمل إمام المسلمين أن يُجري أحكامه على ما يختاره علماء الأمة من أقوال الفقه وقوانين الشريعة، وأن يترك جانبا تلك المباحث الفسيحة في علم قانون الشريعة، التي قد تؤدي به إلى إراقة دم لا تجب إراقته وأنا حين أسوق كلمة الوجوب في هذا السياق أعني معناها الحرفي، فإن أبا مرداس وأضرابه يريدون من حاكم
المسلمين أن يريق الدماء حين تكون إراقة هذه الدماء واجبا شرعيا لا يجوز التهاون فيه. ولكنهم لا يسمحون له بإراقة الدماء حين لا تكون إراقتها إقامة لحد الله، وواجبا من واجبات الشرع، ولو كانت إراقة هذه الدماء مباحة بما ارتكب صاحبها. صحب أبو مرداس الإمام عبد الوهاب سبع سنوات حين إقامته بـ"ميرى" في جبل نفوسة، وَلَمَّا رجع إلى مركز حكمه في تاهرت لزم عماله من بعده، فصحب أيوب بن العباس وأبا عبيدة عبد الحميد والعباس بن أيوب، وهو في جميع ذلك يقف كصمام الأمان من صاحب السلطة، يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر، ويسدد خطاه ويزوده بالنصيحة الصادقة، والحكم الراجح، من قوانين الشريعة.
وكانت كلمته دائما أقوى من كلمة الحاكم وحكمه، وأنفذ من حكمهم. ولم يكن هؤلاء الذين ذكرتهم بالضعاف، ولا المهازيل، فتطغى عليهم شخصيات أخرى؛ إِنَّهُم قمم شامخة من العلم والعمل والقوة في الحق. فظهور شخصية هذا الرجل معهم دليل على العبقرية والنبوغ. صحب في أواخر أيامه العامل الحازم القوي العباس بن أيوب، وقد شاخ حينئذ أبو مرداس وهرم، وَلَكنَّهُ لا يفارق الجيش حَتَّى في هذه السن المتأخرة، ولا يتردد في عمل الخير وإظهار ومراعاة المصلحة العامة، وكان الكبر قد أحنى هامته على قصره، فكان يسير أمام جيوش العباس بن أيوب، وهو يجر سيفه لينطلق إلى الكفاح كفاح المعتدين البغاة من وعندما ينهزم أولئك المعتدون ويرتفع لواء الْحَقِّ، يصيح أبو مرداس الذي لا ينس بالمعروف والنهي عن المنكر في أي ظرف من ظروف الحياة كأَنَّه هـ قفوا أَيُّهَا الأبطال!. لا تتبعوا مدبرًا، ولا تجهزوا عَلَى جريح، ولا تستحلوا مال موحد!
الْحَقِّ،
ينسي
هو قائد الجيش!
النكار،
الأمر