الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٣١٠الإباضية في موكب التاريخ
الإباضية في ليبيا (2)
ولكن أحد الجند يُجيبه: "بل" لا نتركهم حَتَّى نخرجهم من حوزتنا"، ويعرف أبو مرداس أن
في رأي الجندي حقا وحزما، فيذعن للحق، ويستجيب للحزم (1). لقد كان العباس في سن أولاد أبي مرداس - لو رزق أولادًا – فكان يُجله كثيرا ويحترمه، ويقف عند رأيه، ولا يقدم على عمل إلا بمشورته ورضاه.
كان أبو مرداس عالما عاملا، ومؤمنا عميق الإيمان وقويا في دين الله، آمرا بالمعروف، ناهيا عن المنكر، وكان كريما كرم المؤمنين الذين يعرفون حقيقة الدنيا، ويعرفون أن المال إنَّما هو
مال الله، يأخذ منه صاحبه بقدر الحاجة لينفق باقيه في الوجوه التي بينها الشارع الحكيم .. ولذلك فهو لا يتأثل مالا، ولا يحتفظ به، ولَكنَّهُ ينفقه عَلَى الفقراء والمساكين، ولاسيما في سنوات الجدب والجفاف.
وقد يبلغ به الحال إلى أن ينفذ منه المال، فلا يستكبر أن ينفق مما يقتات به سواء كان ذلك من بعض الثمار المجففة كالتين، أو بما يأخذه من أعشاب من الأرض، وهو إلى هذا الكرم المطبوع يعيش في عصره، ويعرف أحوال الناس في وطنه، فكان يبعث بعطاياه وصدقاته إلى من يستحقها من الفقراء، الذين يسترون ما هم عليه من خصاصة، حتّى يحسبهم الناس أغنياء التعفف، كما من كان يعرف ما يتعرض له العمال والخدم من جوع، وإهمال، فكان يعترض طرقهم في غدوهم أو رواحهم، فيعطيهم ما أعده لَهُم من طعام وكثيرًا ما يكون هذا الطعام سويقا، أو "بسيسة (2) أو ما أشبه ذلك من الطعام الجاهز، المستعجل، الذي يسهل إعداده!. وكان أبو مرداس رغم كُلّ ذلك، ورغم ملازمته لولاة أمور المسلمين -يأمرهم وينهاهم- كثير
العبادة، موصول القلب بالله وكان يقول: "لولا أمور الإسلام ما أجاوز هذا الشعب إلى هذا (3). ومع هذه الحركة الدائبة، والكفاح المتواصل في ميادين القتال أو مواطن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند مجالس الحكام ومع تفقد المسلمين ومعرفة أحوالهم، ومعالجة مشاكلهم، ووصلهم بما تقدر عليه يداه، مع كُلّ ذلك، فقد قال المشايخ الذين زاروا الجبل من
(1) راجع السير: ترجمة العباس بن أيوب: ص 196.
(2) البسيسة: هو السويق الملتوث بزيت.
(3) السير: ص 172.