الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٣١١الإباضية في موكب التاريخ
309
الإباضية في ليبيا (2)
المشرق: "أبو مرداس يقول: نفسي نفسي كالغزالة، والعباس نعم الفتى، وأبو زكرياء هو الجبل، والجبل هو أبو زكرياء (1).
فقد عاش ما عاش غاض البصر، لين العريكة، سهل الخلق خفيض الصوت، ما لم تنتهك
الله
حرمة من حرم فيثور، وَيَدُلُّ لهذا ما قصه المؤرخون أنه في أواخر أيامه وقد خرج الناس لاستقبال الربيع، ولَم يبق أحد بمدينة "تبرست" فرفع بصره يتأمل المدينة ويرى الشوارع الممتدة إلى جميع النواحي، والأبنية المرتفعة الضاربة في الهواء، فقال متعجبا: "متى حدثت هذه المباني؟ " كَأَنَّمَا غاب عن المدينة سنوات طوالا، والواقع أن العالم الكبير، قد غاب عن المدينة سنوات طوالا، غيابًا جسميًا لا معنويا، فهو يعرف كُلّ دقيق وجليل من أحوال المدينة وأحوال أهلها، وَلَكِنَّهُ في نفس الوقت لا يعرف من شوارعها إلا الشارع الذي يربط بين بيته والمسجد، أو الشارع الذي يربط بيته بميدان الكفاح، أي كفاح ومن أي نوع كان .. ولقد كان دقيقا في محاسبة نفسه عَلَى جَميع أعماله، فلا يصدر إلا عما يريده منه حكم الله لنفسه بتجاوز الْحَقِّ حَتَّى في بسائط الأمور.
ولا يسمح
استعار يوما أتانا يركب عليها لبعض شأنه إلى إحدى القرى المجاورة، فمدَّ إليه أحد جيرانه صرة دراهم يطلب منه إيصالها إلى أحد الناس في القرية التي يقصدها، فاعتذر الشيخ عن القيام هذه المهمة بأنه حين استعار الأتان لم يستأذن صاحبها في حمل شيء آخر عليها، فصاح
صاحب الدراهم متعجبا من امتناع الشيخ واعتذاره، فقال الشيخ: "صار العلم عَجَبًا. وقال له يوما رجل من "أبديلان": "يا" كافر "، فقال له الشيخ: "سَمَّيتني باسم هربت من زمانًا". وذهب مَرَّةً يحرث عَلَى بقرة له فمر بقرية "إكراين" والناس مسنتون (2)، قد أحاط بهم القحط، وذهب الجفاف بما ادخروه، وأضر بهم الجوع، فلما رأى ما بهم من الحاجة تصدق عليهم بالبذر، وذبح البقرة ففرقها عليهم وفرق الجلد أيضا، لكنَّه احتفظ بقطعة منه، فلما جع إلى قريته، بادرت إليه زوجته الصالحة "زرزرت (3) تسأله: "أين البقرة؟ وأين حرثت؟ ".
1) السير: ص 174.
(2) أي: أصيبوا بقحط وشدة.
(3
كلمة بربرية معناها الغزالة.