الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٣١٢الإباضية في موكب التاريخ
الإباضية في ليبيا (2)
فقال لها: "حرثت حرئًا استغنى عن المطر، ولا تصيبه آفة"، ثُمَّ أخبرها بما فعل، فقالت له: "لم لم تردد علينا من بقرتنا إلا هذا؟ " فقال لها: "لنا بقرتنا إلا هذا؟ "
وذهب مَرَّةً ليحرث فدانًا فدادينه فجاز عليه رجل ممن يعرف أخلاق الشيخ، وتغلب عليه الدعابة، فقال للشيخ: "إن الفدان لي فاخرج منه"، فخرج الشيخ وترك الفدان فأدركه الرجل ببعض الطريق، وقال له: "إن" البقرة التي تقودها بقرتي فاتركها لي"، فتركها ورجع إلى البيت دون حرث أو بقرة، فَلَمَّا كان عند مدخل البيت أدركه الرجل وقال له: أين تريد أيها الشيخ؟ إن هذا المترل مترلي"، فصاح الشيخ بزوجته قائلا: "ناوليني سلاحي يا زرزرت" فقال الرجل: "إِنَّمَا أنا أمزح، وليس لي في الفدان ولا في البقرة حق فخذ بقرتك وارجع إلى فدانك"، فقال الشيخ: "ما بعثك الله إلا وقد علم في الفدان والبقرة شيئًا"، فتركها ورفع يده عنها منذ ذلك اليوم.
وبمثل هذا الخلق السمح الكريم، وهذا الدين العفيف القويم وصل أبو مرداس وأضرابه إلى ما وصلوا إليه من الرتب العالية ورتب الحقيقة الخالدة لا رتب الدنيا الفانية. وَلَعَلَّه من المناسب أن أختم هذا الفصل بما ورد في السير: "أن مشايخ نفوسة يقبلون على الإمام، فيجلسون إليه حين كان بالجبل، فإذا قدم أبو مرداس قام إليه - وكان قصيرا -، فقال رجل من أهل المشرق لِمَ يُعظَّم الإمام هذا؟ فقال حين سمعهم، كيف لا أجلّ من تُجلّه الملائكة (1).
أما أبو الربيع فقد قال حين تحدث عنه: "أبو مرداس رجل حازم، ممارس للأمور، ورع نبيه، وجيه، حاذق، عاقل فطن، مجتهد، رحيم بالضعفاء، شديد على الفجار، ذليل على المؤمنين، لا تأخذه في الله لومة لائم، يؤثر الْحَقِّ والصدق (2).
(1) السير: ص 175
2) السير: ص 174.