الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٣١٣الإباضية في موكب التاريخ
311
الإباضية في ليبيا (2)
(1)
أبو زكرنَا النوكيتي"
شخصية من الشخصيات التي تجمع صفات العظمة، فتفرض محبتها واحترامها
عَلَى الْجَمِيع. بلغ مرتبة لم يبلغها صاحب جاه بالسلطة، أو صاحب معرفة بالعلم، أو صاحب كرم بالإنفاق، أو صاحب زهد بالعبادة، أو صاحب شجاعة بالإقدام، إن هذه الصفات جميعا ولا شك عظيمة، ولكنَّها لا تغني شيئا إذا أعوزتها روح قوية ذكية عميقة؛ لتكسو صاحب هذه الصفات ثوب العظمة، الذي يحترمه الناس ويحبونه، مجبرين بقوة الشخصية.
وكان أبو زكرياء التوكيتي يملك هذه الروح القوية فوق هذه الصفات الكريمة، فجعل منه ذلك رجلا منفردًا بالعظمة والمهابة والحب في بلد مفعم بالعظماء والأعلام.
فإن
طلب الناس إلى الإمام أن يولي عليهم أبا عبيدة عبد الحميد، فاعتذر بالضعف، فبعث الإمام بقطع عذره وبسد السبل أمام، تَهرّبه، فقال: "إن كان ضعيف البدن الله يقويه إذا تولى أمور المسلمين، وإن كان ضعيف المال ففي بيت المال ما يسعه ويسع غيره، وإن كان ضعيفا في العلم فعليه بأبي زكرياء التوكيتي" (). ووفد من أهل المشرق وفد يزور الإخوان، ويتفقد أحوال الناس، فزار الجبل وزار بقية المملكة الليبية، ومر بالجنوب التونسي، ثُمَّ زار تاهرت مركز الإمامة، ولما سئل عن رأيه في جبل نفوسة قال: "الجبل" هو أبو زكرياء، وأبو زكرياء هو الجبل (3)، وَأَمَّا أبو مرداس فَكَالْغَزالة، نفسي نفسي، وأَمَّا العباس ففى مقرعي" -أي صاحب نجدة وشدة. واختار الوفد من تاهرت الإمام ووزيره مزور بن عمران.
(1) ذكره أبو زكرياء الباروني في الطبقة الخامسة: فهو من علماء النصف الأول للقرن الثالث.
(2) راجع السير، ص 182. والأزهار الرياضية، ص 153.
(3) السير: 178