الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٣١٤الإباضية في موكب التاريخ
312
الإباضية في ليبيا (2)
لقد كان مقام أبي زكريا أرفع من المنصب، وأعظم من أي صفة يتصف بها رجل لو عمل بعمله، ولذلك لم يجد هذا الوفد المتشدد في اختيار الرجال إلا أن يصفه بأنه هو الجبل، وأن الجبل هو أبو زكرياء .. إنَّه مقام لم يبلغه أبو مرداس على ما عرفت من علمه وعمله، ولم يبلغه أبو العباس على ما عرفت من شدته وقوته، ولم يبلغه الإمام ولا وزيره على ما اشتهر من علمهما وفضلهما. لقد اختار الوفد هذه الشخصيات اختياراً عاديا، أما اختياره لأبي زكرياء فقد كان بأسلوب فريد، لقد جعلوه أمة كاملة، أو في مقام أمة كاملة.
ويبدو أن الوفد لو لم يجد في الجبل غير أبي زكرياء لذهب راضيا، وذكر للناس أن الجبل عامر أهل بأهل العلم والفضل والدين والصلاح. ولَعَلَّه من المناسب أن أختم هذا الفصل بما قاله البدر الشماخي: "وشهرة أبي زكريا وعلمه وورعه ممَّا لا يخفى على الحفاظ؛ وكفاك أنه في زمن امتلأ فيه جبل نفوسة علما وعملا، وعدلا فاختير من جميعهم حَتَّى قيل: "أبو زكرياء هو الجبل،
والجبل هو أبو زكرياء" (1).
goes
1) انظر: السير: ترجمة أبي زكرياء التوكيتي، ص 178.