الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٣١٥الإباضية في موكب التاريخ
313
الإباضية في ليبيا (2)
أبو مهاص الأفاطماني"
في هذه القرية التي تنبسط فوق جبال الرحيبات الغربية، نشأ أبو مهاصر موسى بن جعفر شخصية من الشخصيات التي تجمع بين العلم والكرم والزهد والتدبير، يعيش كما يعيش المؤمنون الصالحون موزع الوقت بين العلم والعبادة والعمل لين العريكة، سهل الخلق، لطيف المعشر، مُحبًّا للمؤمنين عطوفا عَلَى الضعاف من جميع المخلوقات، تغلب عليه الإنسانية في أنبل معانيها، فيشفق على صغار الحيوان كما يشفق على بني الإنسان. يجمع الطرف من ماله فيوزعها على الصبيان، فإذا كانت هذه الطرف مما يؤكل، وكان أحدهم قطة أو جروة، أعطاها نصيبها ولم يحرمها، وعندما يعود من الصحراء ومعه طرف الصحراء من لبن وزبد وسَمن وجبن وغيرها، يقسمها عَلَى الجيران، فيعطي ليهودي مثل ما يعطي لغيره من الجيران، مراعيا في ذلك جانب الإنسانية، ومُمتثلا قوله: «في كُلِّ ذي كَبِدِ رَطَبَة أَجْرٌ» (2). وقد قيل له في ذلك فأجاب بما أجاب به صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن مسعود: «إنّ اللهَ خَلَقَ الرَّافَةَ وَأَسْكَنَهَا قُلُوبَ الْمُؤْمِنِينَ، وَخَلَقَ القَسْوَةَ وَالْجَفْوَةَ وَأَسكَنَهَا قُلُوبَ الكافرين (3).
عند
للخلق،
مر ذات يوم عَلَى أهل قبيلة يعرفون رقة قلبه وعطفه وشفقته عَلَى الضعيف، وإحسانه وكان راكبا أتانه التي حج عليها غير مرة، ومن ورائه جحش لها صغير يتبعها، فقالوا ليتيم بينهم لو طلبت الجحش من الشيخ لأعطاه إياك، فتقدم الطفل إلى الشيخ وطلب منه أن يعطيه الجحش الصغير، ولم يستطع الشيخ أن يرد رجاء الطفل، فأعطاه الجحش، ولكن الأتان كانه جعلت تمتنع عن السير، وجعل الجحش المفصول ينهق يصيح مستنكرا هذا الظلم الذي يفصله فيه إنسان عن أمه، وحار الشيخ في الموقف، وبعد تفكير عرف الحل الصحيح
(1) ذكره أبو زكرياء في الطبقة الخامسة؛ فهو من علماء النصف الأول للقرن الثالث.
(2) أخرجه الربيع في مسنده عن أبي هريرة، رقم 728. (المراجع)
(راجع السير، ص 199.