الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٣١٦

الإباضية في موكب التاريخ

314

الإباضية في ليبيا (2)

للمشكلة، فاستدعى إليه وكيل اليتيم واشترى منه الجحش بدينارين، وهكذا ظفر اليتـ بدينارين، وظفر الجحش بأمه.

مر به قوم غرباء واشتكوا إليه بعد المسافة ومشقة المرض وانقطاع الظهر، فأعطاهم بغلا له

يحملون عليه زادهم، ويركبه مرضاهم، فقالوا له: "أين نرده؟ " فقال لهم: "يوم اللقاء". وصادف أن أخا للشيخ كان ببعض بلاد الجنوب التونسي، فالتقى بهؤلاء الركب، وعرف البغل، فاستمسك به، فقالوا له: "إن رجلا يقال له أبو مهاصر أعطانا إياه"، فقال لهم: وكيف ذلك؟ " قالوا: "شكونا إليه قلة الظهر فأعطاناه"، وقال: "آخذه اللقاء"، فقال الأخ الذكي: صدقتم، هذا كلام أخي"، وتركهم.

11

يوم

هذا اللين، وهذه الدماثة، وهذا الخلق السمح، كان لا يسكت عن منكر. باع وكيل يتيم زيتونة اليتيم بأربعة دنانير لرجل محاباة له فبلغه الخبر، فأنكر ذلك وأبطله، وحفظ غلة اليتيم، وأنفق عليه كامل السنة.

"ليس

على بستان تين فوجده قد أسقط ثماره لقلة المطر وشدة الحر، فسأل عن صاحبه، فلما عرفه قال له: "لماذا لا تجني ثمار "بستانك؟ " فقال الرجل: "لا حاجة لي به"، فقال الشيخ " أتأذن لي في أخذه؟ " فأذن له الرجل، فجناه الشيخ وحفظه في مكان، وأسنت (1) الناس بعد ذلك، فطال الجفاف، وامتد القحط، وعظم الجدب، فكان الناس يلتمسون أي نوع الطعام فلا يجدونه، وجاء الرجل إلى الشيخ يلتمس منه شيئا من الطعام، فقال الشيخ: "لب لي إلا تين ردئ لا يصلح للأكل"، فرضي به الرجل وباع له البستان بذلك التين الرديء، وتغير الحال، وهطلت الأمطار، وأمرع الناس، ومر الرجل عَلَى بستانه متحسرا وقد اخضر وأينعت ثماره، فجاء إلى الشيخ يقول: "إن بستانك الذي اشتريته مني نضجت ثماره"، فقال الشيخ له: اجن بستانك فأنا لم أشتره منك لأملكه دونك، وإنَّمَا أعطيتك ما فرطت فيه من ثمارك، عساك لا تعود إلى إهمال ما رزقك الله من نعمة، ولا تحتقر الضئيل منها".

كان أبو مهاصر مؤمنًا، يأخذ نفسه بالشدة والعزيمة في العبادة ..

(1) أي: أصابتهم سنة شديدة الجدب والقحط.