الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٣١٧الإباضية في موكب التاريخ
315
الإباضية في ليبيا (2)
خرج مرة في زمن الربيع إلى البادية، وكان معه عمروس المساكني، فلبثوا أيامًا عَلَى غير ماء فكانوا يتيممون للصلاة، وتكدرت نفس أبي مهاصر من هذه الحال، فقال يحادث عمروسًا: قلوب يربو عليها الشحم مما سمنت، ووجوه تعلوها الغبرة قلت سلامة الدين مع أهل الوبر، إنَّمَا الدين في المدر، والله لا يجمل بنا أن نترك الدين لاتباع شهواتنا، وإني لأخاف أن نكون مِمَّن عاب الله لا بقوله: {أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غِيَا) ()
" (1)
ورد عليه عمروس -رحمه الله - فقال: "ليس في ذلك ما تخافه، لقد أباح الله التيمم لعدم الماء، وأباح الضرب في الأرض لطلب الفضل، وابتغاء الرزق، حيث قال: {وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ الله) وقال: إلا عابري سبيل (3) وقال: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طيبا، ولكن أبا مها صر لم يقتنع ورجع إلى منزله (5)
وليس معنى هذا أن أبا مهاصر لا يرى صحة التيمم لفاقد الماء، أو أنه يحرم ابتغاء الرزق المباح والسعي له، ليس ذلك ما يراه العالم، الزاهد ولَكنَّه يحمل نفسه على أشق أنواع العبادة، ويروضها على التحمل، ويسوسها بحرمانها من شهواتها وما تنزع إليه، فهو لا يريد أن يعمل برخصة ما دام يستطيع أن يعمل بالعزيمة، ولو فوت على نفسه لذائذ متعة، ومنعها من الحصول على رغبة.
وكما كان كريما في نفسه، فَإِنَّهُ يريد من أصدقائه وأسرته وأقاربه أن يكونوا كرماء أيضا، قال يوما لابن أخته يحيى بن موليت: "يا" يحيى لا تعاتب سارة (1) إذا أعطت من مالك؛ فإنني لا أعاتب " تالو لا (7) ولو أعطت حمل جمل".
1) سورة مريم: 59.
(2) سورة الجمعة: 10.
(3) سورة النساء: 43.
سورة المائدة: 6.
ه السير، ص 198.
(6) زوجة يحي بن موليت.
(7) زوجة أبي مهاصر موسى.