الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٣١٨

الإباضية في موكب التاريخ

316

الإباضية في ليبيا (2)

الإباضية في فزان *

أقصد بكلمة "فَزَّان" هذا الشريط الصحرواي الذي يمتد جنوب ليبيا من حدود مصر إلى حدود الجزائر، وقد كان هذا الشريط ممراً هاما للجيوش الإسلامية الفاتحة، ثُمَّ صار جزاءًا هاما من الدولة الرستمية، وكان في كثير من الأوقات يتصل إداريا بعاصمة الإمامة في "تاهرت"، وعندما انقرضت الدولة الرستمية أصبح بعضه يتبع إداريًا حاكم جبل نفوسة استقلت بعض جهاته الأخرى عن اتباع الحكومات الأخرى عَلَى أن هذه الحالة لم تدم طويلا، وأصبح فيما بعد يتبع الحكومات القائمة في طرابلس أو برقة. الناحية السياسية؛ أما من الناحية الدينية فقد كانت "فَزَّان" معقلا من معاقل من

هذا

الإباضية زمنا غير قصير.

وقد قاسى سكان "فَزَّان" من الجيوش المتعاقبة التي تبحث عن الثروة والسلطة شدائد وأهوالا، وكثيرًا ما يتخذ أولئك الحكام الظلمة قضية الْمَذهَب، أو الجنس، وسيلة للجبروت والطغيان،

وسببا للفساد والعدوان فيقتلون دون رحمة، ويغنمون دون شريعة، ويحكمون بلا دين. وكان السكان يكافحون بكُلِّ ما أوتوا من قوة عدوان المعتدين، ويردون بما أوتوا من علم بدع الجاهلين، وتحريف الضالين، فنشأ في أكثر المدن من "فَزَّان" علماء أعلام حرصوا كُل الحرص أن يضربوا المثل الْحَقِّ للمسلم الْحَقِّ الذي يعرف دين الله، فيقف عند حدوده، ويوضح للسالكين المنهج الواضح الذي شرعه الإسلام للفرد والمجتمع والدولة، ويبينون لأولئك القادة

المنحرفين المسلك الصحيح للقائد المسلم، الذي يحفظ الله، ويذود عن كرامة الأمة. دين ولو لم يكن لفزان في ذلك العصر إلا العلامة الزاهد عبد الخالق الفزاني، لكفى ذلك القطر الفسيح شرفًا وَمَجدا. كان أبو مرداس كما أسلفت في بعض الأحاديث السابقة واسع الاطلاع، غزير موصول العبادة، فكان يتحدث في مجالسه بنعمة الله فيقول: "لا أعرف إلا الإمام ووزيره وهذا الفزاني، وَإِنَّمَا أعرفه بكتبه".

المادة،

إنه لم تتح فرصة اللقاء للعالمين، العظيمين، ولكن الكتابة بينهما كانت كافية ليعرف كُلّ

واحد منهما عظمة الثاني …