الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٣٢٤الإباضية في موكب التاريخ
322
الإباضية في ليبيا (2)
خلقيًا، أم دينيا، ومن اليسير عليك أن تجد أثر هذا التوجيه ظاهرًا في الشباب الذي تلقى عنهم العلم في حلقات الدرس أو في الشباب الذي استمع إليهم في دروس الوعظ والإرشاد، أو في الشباب الذي عاش في عصر كل واحد منهم، وتأثر بسلوكهم ورأيهم في الحياة، وعملهم للمجتمع، وفهمهم للدين، ولست مبالغا إذا قلت: إن بعض تلك المدارس بمدلولها الأخير لا تزال حية الأثر في بعض جهات الجبل، رغم تغير الحياة في العصر التركي، ورغم قطع الصلة بين حاضر الأمة وماضيها في العصر الإيطالي، ورغم فتنة العصر الحديث في قضايا الدين، والخلق، والسلوك، وانحراف تفكير شباب المسلمين عن الاتجاه الإسلامي. والحقيقة أن رسالة المدرسة في تلك العصور، كانت أعمق وأعظم وأوسع من رسالة المدرسة الحديثة، فإن أثرها ما كان ليقتصر على الجيل الذي يتعاطى فيها الدراسة، وَإِنَّمَا كان يمتد إلى الجيل السابق والجيل اللاحق، إنَّهَا مركز الإشعاع، يضيء للمجتمع الاتجاهات النبيلة، التي يجب أن تسير فيها القافلة المسلمة في ظلمة الحياة، فهي بذلك تكشف عن مزايا الماضي، وتوضح طريق المستقبل، ثُمَّ تسلح جيل الحاضر بكُلِّ الإمكانيات التي يستطيع يتغلب بها عما يعترض اندفاعه القوي من صدمات. إنَّني في آخر هذا الفصل أريد أن أتحدث حديثا مقتضبا عن المدارس التعليمية بالمعنى الضيق، أو بالمدلول الأوَّل، وللقارئ الكريم إذا أراد زيادة اطلاع على المدرسة بمدلولها الثاني أو الثالث يرجع إلى فصول هذا الكتاب المختلفة، فإن أكثرها يعالج هذه الشوؤن، منذ أسس عمرو بن يمكتن أَوَّل مدرسة بـ"أفَاطْمَان" بدأت المدارس تنتشر بسرعة في جميع الأنحاء وتؤتي ثمارها في أسرع وقت ممكن، ولو أن حركة المد والجزر بين هذه المدارس وتقوي بعضها، وضعف البعض الآخر - أمر طبيعي، وذلك نتيجة لشخصيات وإمكانيات الرجال الذين يكونون هذه المدراس أو يديرونها. ويجدر بي وأنا أتحدث عن المدارس التعليمية أن أشير إلى تكوّن حركتين هامتين ترافقان التعليم في ذلك العصر:
أن
أن
الأولى: أتخذ أصحاب تلك المدارس نظما شبيهة بنظم الأقسام الداخلية المعروفة اليوم، يأوي إليها الطلاب الذين يفدون من أمكنة بعيدة، فيجدون فيها المأوى والغذاء والتعليم،