الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٣٢٥الإباضية في موكب التاريخ
323
الإباضية في ليبيا (2)
والإشراف التربوي السليم، ويقدم الغذاء والمأوى بحانًا للطلاب الفقراء، أمَّا الأغنياء فيمونون أنفسهم. والنفقات التي تستلزمها هذه الأقسام الداخلية تجمعها إدارة المدرسة من التبرعات، ويقوم ذلك عَلَى نظام خاص، رتب له، قانون يسير حياة المدرسة وحياة الطلبة حسب أساليب التربية الإسلامية النظيفة القويمة، وقد تغص الأقسام الداخلية بالطلبة، فيضطر بعض الطلبة الأغنياء إلى السكنى خارج هذه الأقسام، وقد تنقل إحدى هذه المدارس بعض الطلبة إذا لم تجد لَهُم أمكنة إلى مدارس أخرى تحتمل أقسامها المزيد من التلاميذ.
الحركة الثانية: القيام بالرحلات الاستطلاعية، وقد عرف المربون في ذلك الحين قيمة الرحلات المدرسية، واطلاع الطلاب على بيئات غير بيئاتهم، وتعرفهم على غيرهم من الطلاب، واشتراك المدارس في دراسة المناهج، ومناقشاتهم في مشاكلهم؛ فأعدوا لهذه الرحلات، ونظموها، ويسروا لها الأسباب، وكان يقود هذه الرحلات مربون عرفوا بمقدرتهم وكفاءتهم، فكانوا يتولون تعليم الطلاب واستثارة ملاحظاتهم وتفتيح أذهانهم لإدراك الفوارق الاجتماعية، والمقارنة بينها ونقدها، وهم في كُلّ ذلك حريصون على ملاحظة آداب طلاهم، وسلوكهم في سفرهم وإقامتهم، فكانت هذه الرحلات تتيح للطلاب بحالا أوسع للاستفادة والتكوين الخلقي والاجتماعي، وتتيح للمربي فرصة أفسح لدراسة نفسية الطلاب، ومعرفة أخلاقهم وسلوكهم.
ومن المربين الأفذاذ الذين قاموا بعدد من الرحلات المدرسية، تارة يأخذون كبار الطلبة، وتارة يأخذون صغارهم، وتارة يجمعونهم جميعا: أبو الربيع سليمان بن هارون اللالوتي "شيخ العلم والتحقيق، وقدوة أهل التقى والتوفيق" كما يقول أبو العباس الشماخي، وقد ذهب هذا المربي الكبير شهيد هذه الفكرة القيمة.
ففي إحدى هذه الرحلات هجم عليه "بنو تيجن" إحدى القبائل الضاربة على حدود الجبل فقتلوه هو وجميع طلابه، ظنا منهم أنهم قافلة محملة بالأرزاق، وفي هذه القضية كتب أبو يحيى الفرسطائي إلى أهل "جادو" يقول: "المؤمنون تتكافأ دماؤهم، بلغنا أن تسعة رهط من بني تيجن يفسدون في الأرض ولا يصلحون، قتلوا أبا الربيع".