الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٣٣

الإباضية في موكب التاريخ

31

نشأة المذهب الإباضي

وكل هذه الاتجاهات تجتمع على محاربة الاتجاه الذي اتجه إليه أتباع عبد الله بن وهب الراسبي. ذلك الاتجاه العادل الذي يرى أن المسلمين متساوون في الحقوق والواجبات {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ الله

أتقاكم)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا فَضْلَ لِعَرَبِي عَلَى أَعْجَمِيٌّ إِلَّا بِالتَّقْوَى» (3).

قلت في صدر هذا الحديث: إن عددًا من الثورات وقعت منذ وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى انتهاء خلافة الإمام علي بن أبي طالب، فأي هذه الثورات يحق أن يطلق على القائمين بها

لقب الخوارج، مع ملاحظة الخروج عن الخلافة الشرعية والمروق من الدين؟ لتسهيل الإجابة على هذا السؤال أستطيع أن أقسم هذه الثورات إلى ثلاثة أقسام: الأَوَّل: ثورة ليس لها تعليل ولا أسباب غير عدم تمكن الإسلام في قلوب القائمين بها. وعدم إيمانهم الصحيح بتكامل الرسالة الْمُحَمَّدية، ويتجلى هذا في الثورة الأولى، التي ارتد فيها فريق، وامتنع فريق آخر عن أداء الزكاة.

الثاني: ليس لها أسباب ظاهرة معقولة: أما أسبابها الحقيقية الخفية، فهي التراع على مناصب الدولة، من خلافة أو عمالة ويتمثل ذلك في الثورة الثالثة التي قام بها طلحة والزبير، و في الثورة الرابعة التي قام بها معاوية بن أبي سفيان.

القسم الثالث: ثورة استندت إلى أسباب ظاهرة يتراءى للناظر أنها معقولة، ويتمثل

ذلك في الثورة الثانية التي قتل فيها عثمان، وفى الثورة الخامسة التي اعتزل فيها جماعة من جيش عَلي عليا بعد التحكيم، وعزل أبي موسى الأشعري له.

فلو كان المقصود من كلمة الخوارج، هو الخروج السياسي عن خليفة تمت له البيعة الشرعية، لكان إطلاق هذه الكلمة على طلحة والزبير أو على معاوية وأتباعه، أو على الثائرين على عثمان أظهر، وأوضح، أما إذا لوحظ المعنى السياسي مع المعنى الديني فإنه لا أَمَّا يمكن إطلاق هذه الكلمة عليهم، كما أنه من العسير إطلاقها على المعتزلين لعلي.

1) سورة الحجرات: 13.

(2) أخرجه أحمد في مسنده: ر 411/ 23536،5. والبيهقي في شعب الإيمان: ر 5137، 289/ 4.