الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٣٤الإباضية في موكب التاريخ
32
نشأة المذهب الإباضـ
والسبب في هذا العسر أن هؤلاء سواء كانوا من القسم الثاني أو من القسم الثالث، إِنَّمَا ثاروا غير منكرين لأصل من أصول الإسلام، ولا مكذبين بمعلوم من الدين بالضرورة، ومع كُل طائفة منهم فريق من كبار الصحابة فيهم بعض المشهود لهم بالجنة. وبناء على هذا، فإن أحاديث المروق – إذا صحت – لا يكون المقصود منها إلا أصحاب الثورة الأولى، أولئك الذين خرجوا على خلافة أبي بكر منكرين للشريعة أو لأصل من أصولها، فإن هؤلاء يستطيع الباحث أن يطلق عليهم كلمة الخوارج، وهو يقصد بهذه الكلمة معنييها السياسي والديني وهو مطمئن؛ لخروجهم عن خلافة مجمع عليها، وإنكارهم للإسلام جملة بعد ما آمنوا به، أو تكذيبهم بركن ثاليت بالكتاب والسنة والإجماع إنكارا استحقوا به أن يحاربهم خليفة رسول الله الأول حربًا لا هوادة فيها مصداقا لقوله: لَئِن أَدْرَكْتُهُمْ لأَقْتُلَنَّهُم قَلَ ثَمُود» (1) - إن صح الحديث، وقد قتلهم خليفته به قتل نمود تحقيقا لخبره التعليم. ويستأنس لهذا الرأي من توقعه الله أن يدركهم، فإن هذا يدل على قرب زمنهم منه، وأنه كان يأمل أن ينتقم الله منهم، ولكن إرادة الله شاءت أن يتأخروا عنه قليلا، وأن تكون فتنتهم امتحانًا لصلابة أبي بكر، وأن تكون عقوبتهم على يد الصديق. وكما يستأنس بهذا الحديث لهذا المعنى، كذلك يستأنس بحديث المروق في الرواية التي تقول: «ميخرُجُ» أو «سيمرق»، فإن استعمال السين يَدلُّ على قرب الخروج، ولم يكن أقرب إلى رسول الله له من هذا الخروج الذي قضى عليه الصديق وحارب أهله حرب نمود. على أنني أقف وقفة طويلة عند هذه الأحاديث التي تصف فرقا من المسلمين بالمروق من
الدين. ولو أني لا أملك الآن الأسباب التي تحملني على الشك في صحتها.
ويظهر من سياق الحوادث أن هذه الأحاديث التي تتحدث عن الخروج لم تكن معروفة عنـ حدوث الثورات الأولى، وإلا فكيف أمكن أن لا تدور على الألسنة، وأن لا يوصف بها الخارجون عن الخلافة في زمن أبي بكر وعثمان وعلي، ولا الخارجون عن الدين في زمن الصديق؟
(1) أخرجه البخاري: ر: 1485/ 40944. ومسلم: ر: 1064، 742/ 2.