الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٣٣٠

الإباضية في موكب التاريخ

328

الإباضية في ليبيا (2)

إذا كانت بعض المدارس قد اتجهت إلى هذين الاتجاهين، فإن مدارس أخرى قد أضافت إلى هذين الاتجاهين اتجاها ثالثا، كان له خير أثر على التراث الإسلامي، هذا الاتجاه: هو الاشتغال بالتأليف؛ وَلَعَلّ أعظم مدرسة قد امتازت بهذه الظاهرة الرائعة، فوجهت طلابها إلى هذا المنحى، فتركت لنا ثروة علمية وتشريعية قيمة هي مدرسة أبي موسى عيسى بن عيسى الطر ولست أعني بهذا أن العلماء السابقين لم يشتغلوا بالتأليف، فإن هذا رأي لا يخطر ببال أحد فيما أظن، وكثير من الكتب التي كانت تدرس في زمن أبي موسى عيسى كانت من تأليف العلماء الليبين في جبل نفوسة، أو في غيرها؛ وَإِنَّمَا أعني أن اتجاه المدرسة نفسها إلى التأليف، واشتغال كُلّ الطلاب الذين حصلوا على كفاءة علمية بذلك، إِنَّمَا كان في زمن هذه المدرسة، وقل أن تجد طالبًا من طلابها لم يشتغل بالتأليف.

الفتوى

وسند

ومن الطلاب الذين تخرجوا فيها، واتجهوا هذا الاتجاه فيلسوف الإسلام العلامة أبو طاهر إسماعيل بن موسى الجيطالي. ومن هؤلاء الطلاب حجة الإسلام، ومرجع الإباضيَّة: العلامة أبو ساكن عامر بن على الشماخي. ومن هؤلاء الطلاب: العالم العامل أبو غالي أبو عزير بن إبراهيم بن يحيى، وهو الذي شغل مركز أستاذه من بعد في التدريس وإدارة المدارس التي أنشأها أو أدارها في كُلّ من "طرميسة" و"مزغورة" و"أمسين" و"يقرن"، وغير هؤلاء كثير، رُبَّما تحدثنا عنهم في فصل خاص بالتأليف.

وقد ترك لنا فيلسوف الإسلام العلامة أبو طاهر مكتبة عامرة لا تقل قيمة عما تركه فيلسوف الإسلام أبو حامد الغزالي، واشتغل بالتدريس في بعض الأحيان، إلا أن عنايته كانت منصبة إلى التأليف، وإلى إلقاء دروس الوعظ والإرشاد والتوجيه والقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ وذلك لأن العصر الذي يعيش فيه كان يستدعي منه هذا الجانب من الكفاح، فقد بدأ في كثير من الجهات الانحلال الديني، والتفسخ الخلقي، والانصراف إلى المادة في إقبال لهم كذلك لجأ إلى كفاح الباطل الذي أراد أن يستعلن ويطغى، ويتحول بالأمة الاتجاه الذي دعاها إليه صاحب الرسالة.

المسلمة عن

أما أبو اكن. الشماخي فقد اتجه إلى تأليف الرجال، وقد تخرج عنه عدد غير قليل من فطاحل العلماء، ولَمْ يشتغل بتأليف الكتب إلا قليلا، ومن هذا القليل كتابه القيم المسمى بالإيضاح، في

أربعة أجزاء كبيرة، ويعتبر من أهم المراجع في التشريع الإسلامي، يندر أن تجد له مثيلا.