الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٣٣٢

الإباضية في موكب التاريخ

330

الإباضية في ليبيا (2)

أبو خليل صال الدير كلي

(1)

"دركل" كانت قرية جميلة تقع على قمة جبل شامخ بين الجزيرة وأم صفار، ترنو في زهو وإعجاب إلى السفح الفسيح الذي يمتد بين الجبل والبحر، تشقه أودية خضر، تتل كالأفاعي المسحورة، وفي هذه القرية الجميلة نشأ أبو خليل صال الدركلي.

نشأ طالبا من أنجب الطلاب يرافق فتية من أترابه إلى الجزيرة ليغترفوا العلم ويقتبسوا الخلق، ويأخذوا السيرة العطرة من أبي المنيب مُحمَّد بن يانس وفي هذه المدرسة العظيمة التي خرجت مجموعة من أعلام الإسلام تخرج أبو خليل.

اقتدى أبو خليل بأستاذه في علمه وعمله وسيرته فأسس هو الآخر مدرسة كانت خيرا وبركة، وفي هذه المدرسة التي أسسها الدركلي وتولى التدريس فيها زمنا غير قصير تخرج العلامة الكبير، نذير، زمانه أبو ذر أبان بن وسيم النفوسي. كان أبو خليل صال من أولئك الأفذاذ الذين يملكون إرادة دونها الحديد، وعزما لا ينتهى دون الغاية، وجدا متواصلا في عمل الخير.

كان يقول للطلبة: احضروا المجالس يا،کسالي، فقد حضرها من حضرها، ما يعوقه ما بينه وبين قابس وما بينه وبين فزان حَتَّى وقع قطاع الطرق عليه فجرحوه سبعة عشر حا، والتجأ إلى مغارة فمكث فيها حَتَّى شفي من جراحه، ما أكل ولا شرب إلا ما يراه في الحلم، ثُمَّ خرج من مغارته تلك، وواصل طلبه للعلم، حَتَّى بلغ الغاية، وأصبح مرجعا؛ أن أبا خليل لم يذكر اسم وصاحب القصة إلا أن الطلبة كانوا يعرفون أن صاحب القصة إِنَّما هو أستاذهم أبو خليل.

ومع

وكان من أكثر الناس عبادة ومحبة للصلاة، ينطلق في ظلام الليل إلى المسجد يمكث فيه ما شاء الله، يصلي ويطيل في ذلك، وقد يعود من قريب، فسألته زوجته عن اختلاف أحواله وإطالته الصلاة في بعض الليالي، وتقصيرها في بعض الليالي الأخرى، فقال لها: إن للنفس

(1) ذكره أبو زكرياء في الطبقة الخامسة: فهو من علماء النصف الأول للقرن الثالث.